الربيع العربي وزمن العدالة الانتقالية ( ياسين العطواني

مع  انتهاء الحرب الباردة بين القطبين الرئيسين  في العالم، وما أعقبها من هبوب رياح التغيير التي عصفت بالكثير من الديكتاتوريات في العالم، ظهر العديد من المفاهيم والرؤى الداعية الى تحقيق العدالة الاجتماعية، ومراعاة حقوق الانسان، واشاعة أجواء الحرية والديمقراطية في ارجاء مختلفة من العالم. ومن بين أبرز تلك المفاهيم والرؤى ظهر مفهوم العدالة الانتقالية، ورغم التباين  في تحديد هذا المفهوم من حيث المصطلح والتطبيق، إلا ان مفهوم العدالة الإنتقالية يشير بشكل عام إلى مجموعة من الأساليب التي يُمكن للدول استخدامها لمعالجة الإنتهاكات المُمنهجة لحقوق الإنسان التي إرتكبتها أنظمة حكم قمعية في فترات سابقة  .
وتشمل سلسلةً من الإجراءات أو السياسات مع المؤسسات الناتجة عنها، والتي يمكن أن تـُسن في مرحلة تحول سياسي بين فترة عنف وقمع إلى فترة استقرار سياسي، وتستمد مضمونها من رغبة المجتمع في إعادة بناء الأواصر الإجتماعية، مع الرغبة في إصلاح النظام القانوني، للوصول بمجتمع ما في المرحلة الانتقالية إلى موقع آخر تـُـعد الديمقراطية أحد أهدافه الأساسية. 
ويمكن استقراء واقع الممارسات والتطبيقات المختلفة لمفهوم العدالة الانتقالية الحديث من خلال المراحل التاريخية التي مرت بها، وقد تمثلت المرحلة الأولى في أعقاب الحرب العالمية الثانية مباشرة، وبشكل أساس في محاكمات نورمبرج، اذ تمحورت العدالة الانتقالية خلال هذه المرحلة حول فكرة التجريم والمحاكمات الدولية المترتبة عليها. وقد حصل ركود واضح أثناء الحرب الباردة في جهود تحقيق العدالة الانتقالية واستمر ذلك حتى المرحلة الثانية والمتمثلة بالفترت الانتقالية التالية لحكم الدكتاتوريات العسكرية في أمريكا اللاتينية ودول شرق ووسط أوروبا، وجنوب أفريقيا وبعض الدول الأفريقية.
 وكان هناك توافق دولي على الحاجة لإجراءات العدالة الانتقالية للتعامل مع انتهاكات حقوق الإنسان الماضية، ويُشكل الحديث عن العدالة الانتقالية في علاقتها بمسألة الإنتقال الديمقراطي من أبرز الموضوعات الحديثة النشأة في مسار الديمقراطيات الناشئة . وعلى الرغم من أن العالم قد شهد أكثر من 30 تجربة للعدالة الإنتقالية إلا أن هذه المفاهيم قد غابت عن البلاد العربية وعموم منطقة الشرق الأوسط طوال تلك العقود المنصرمة، على أعتبار ان رياح التغيير لم تصل بعد أسوار الديكتاتوريات المحصنة في هذه المنطقة من العالم، بإستثناء تجربة لبنان ما بعد الحرب الاهلية، وما بعد مؤتمر الطائف حيث شهدت شكلاً من أشكال العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية وان لم تنطبق عليه الشروط العامة للعدالة الانتقالية كاملة، كما يمكن إدراج  تجربة المغرب كأحدى التجارب العربية المتواضعة في امكانية الانتقال الديمقراطي السلمي من داخل السلطة، وفتح ملفات الاختفاء القسري والتعذيب وفيما بعد تشكيل هيئة الإنصاف والمصالحة، إلا ان هذه التجربة أيضا ً اصطدمت بعقبات كثيرة على أعتبار انها كانت مسيسة ومن داخل النظام نفسه.
 ويمكن إعتبار التجربة العراقية من أولى التجارب في المنطقة التي أخذت بمبدأ العدالة الانتقالية، وأنشأت لهذا الغرض العديد من مؤسسات العدالة الأنتقالية لمعالجة مخلفات المرحلة السابقة، على الرغم من وجود بعض الملاحظات المؤشرة  على عمل هذه المؤسسات . 
وتمتاز هذه التجربة بخاصية تختلف عن مثيلاتها في العالم، من حيث طبيعة وماهية نظام الحكم  والأساليب التي كان يتبعها آنذاك، وحجم ونوعية التركة الثقيلة التي خلفها. واليوم ، تمر المجتمعات العربية حاليا بلحظات فارقة في تاريخها السياسي والاجتماعي بعد  الإطاحة بعدد من الأنظمة العربية ضمن ما بات يعرف بالربيع العربي، بعد ذلك الخريف الطويل . ولا شك ان هذه التغيرات الدراماتيكية سوف ترسم مستقبل المنطقة العربية، وهذا يدعو إلى التساؤل حول تحديات هذه المرحلة، وكيف يمكن التعامل معها لتقليل المخاطر والآلام حتى يتم  إجتياز مخاض هذه المرحلة بسلام . 
أن حجم التحديات التي تواجه الثورات العربية يتطلب وضع الآليات التي تتم بموجبها معالجة الأوضاع السابقة في هذه المرحلة الانتقالية، الأمر الذي يستوجب إطاراً قانونياً وإنسانياً بعيدا ً عن روح الثأر والانتقام . 
لقد آن الأوان لإتخاذ مجموعة من الإجراءات التي تستهدِف الإصلاح والمحاسبة وتوفير الضمانات بعدم تـكرار مآسي الماضي، في أعقاب التحول من نظُـم شمولية دكتاتورية إلى ديمقراطيات ناشئة، بهدف مواجهة إرث انتهاكات حقوق الإنسان. 
ومن بين هذه الآليات، استخدام محاكم جنائية لمحاسبة المسؤولين عن تلك الانتهاكات، وتشكيل لـجان تقصـي الحقائق لمعرفة ما حدث في الماضي. وكذلك توفير السـبل لتعويض الضحايا والاعتذار عمّـا لحق بهم، وان يتبع ذلك اتخاذ إجراءات لإصلاح القوانين المـجحفة بحقوق الإنسان وإعادة تأهيل المؤسسات الأمنية، وتحويلها من مؤسسات قمعية إلى مؤسسات تحافـظ على أمن المواطن والمجتمع وتحترم حقوق الانسان. 
وهذا الأمر بالإمكان تحقيقه عندما يتم تبني مفاهيم العدالة الانتقالية، وإنشاء المؤسسات التي تتولى تطبيق هذه المفاهيم على أرض الواقع . 
ان الضرورة تقتضي دعوة كل التيارات السياسية في البلدان العربية التي 
تتفتح فيها اليوم زهور ربيع الثورة العربية للاحتكام لنتائج انتخابات حرة ونزيهة تسمح بمشاركة كل القوى والتيارات كطريق لبناء دولة مدنية يحدد ملامحها دستور يرتكز على مفهوم المواطنة وسيادة القانون، والاعتراف بكل التكوينات السياسية والدينية والمذهبية. ان مجرد قبول فكرة العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية يعني ان أوساطاً واسعة بدأت تـُعطي مؤشرات ايجابية على الاستعداد للتحول سواء كان لاسباب تكتيكية أو اضطرارية، لكنها تعني أن القطيعة مع الماضي لا بد أن تبدأ، وبالتالي فهدف العدالة الانتقالية يتلخص في الانتقال إلى مجتمع ٍ تسـود فيه العدالة وسيادة القانون واحترام حقوق الإنسان، وتوفير ضمانات تحـول دون تـكرار انتهاكات تلك الحقوق، وهذا يتطلب  إرادة سياسية فاعلة، وأجواء سلمية مناسبة .

حجز الفنادق

استضافة المواقع و تسجيل النطاقات

إعلان

الوسوم:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

*