الربيع العربي والواقع العراقي ( ثامر عباس

في الواقع لا أملك – كما يزعم البعض – أية معطيات مؤكدة أو معلومات مضبوطة، حول الجهة التي صكت هذه العبارة الموحية (الربيع العربي)، أو المصدر الذي فبرك هذه الكلمة المثيرة.. بحيث يتاح لي الجزم بالمعنى الذي تتوخاه والمغزى الذي تستهدفه، والتعرف من ثم على طبيعة الأطراف التي تبنتها والعناصر التي روجتها.. ولكن هناك رأيا راجحا بصدد هذه المسائل مؤداه؛ إذا صعب عليك معرفة الجهة الفاعلة، فابحث إذن عمن هو المستفيد. (راجع مقالنا المنشور على هذه الصفحة بعنوان: الفوضى الخلاقة والنبش في المحظور الاجتماعي).
وكما هو ديدننا نحن أبناء الشعوب المخترقة في وعيها والمدجنة في إرادتها، حيث لا نحسن سوى اجترار الأفكار الرائجة كما لو أنها الوصايا المنزلة، ولا نجيد غير إشهار النظريات المتداولة كما لو أنها الحقائق المنزهة.. إذ ما أن يطرح تعبير أو يتسرب توصيف أو ينسل مفهوم، حتى نتلقفه بكل حمية كالمهووسين وننهال عليه بشراهة كالعميان. لذا فقد تفتقت قريحة كتابنا وفاضت جعبة أساتذتنا بالحديث عن انبلاج فجر (الربيع العربي)، وما سوف يجلبه لبلدان المنطقة من خيرات، وما سوف يغدقه على شعوبها من نعم.. الأمر الذي أنساهم التحسب لفصول السياسة الأخرى، وما قد تحمله بين طياتها من زوابع وأعاصير لم تكن موضوعة بالحسبان. هذا في حين أن أحدا»منهم لم ينبس ببنت شفة، عما قد يضمره فصل (الخريف العراقي) بين ظلاله من مفاجآت واحتمالات لم تكن متوقعة، لاسيما أنه قد تخطى حدوده الزمانية وتجاوز تخومه المكانية، وبات ينذر بقدوم شتاء قارس وعاصف.
شيء مفرح أن يتغنى المثقفون ويصدح الكتاب العراقيون بالفضائل الديمقراطية والمثل الإنسانية، تعبيرا»عن نزوع عقلاني ودافع حضاري.. كما أنه من شيم النبل وكرم المروءة أن يظهروا تعاطفهم مع تطلعات الشعوب المقهورة، صوب الحرية السياسية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية.. ولكن بشرط ألاّ يغفلوا للحظة واحدة هموم شعبهم أولا»ودائما»، وأن لا يتجاهلوا لبرهة واحدة محن وطنهم أولا»وباستمرار.. فليس من الإنصاف في شيء – ناهيك عن الوطنية – أن تستحوذ تداعيات (الربيع العربي) على اهتمام كتابنا وإعلاميينا، فضلا»عن انشغالهم المفرط بتحليل أسبابها وتأويل معطياتها، ومن ثم الإشادة بصيرورتها والاحتفاء بنتائجها دون أن ينتابهم شعور بالأسى إزاء ما يواجه العراق كشعب ووطن وتاريخ؛ من تحديات خطيرة قد تطيح بوحدته الجغرافية ، وتنال من كينونته التاريخية، وتستهدف سبيكته الاجتماعية.. كما أنهم لا يتحرجون من اللوذ بالصمت حيال ما يقع تحت أنظارهم من مفاسد ومبوقات يوميا»، وما يشيع بين مواطنيهم من فظاعات وانتهاكات على مدار الساعة، وما يستشري داخل مؤسساتهم من تجاوزات وانحرافات مع كل إشراقة شمس. فلماذا – أيها الأعزاء – كل هذا الانشراح بموت الطغاة العرب والاحتفاء بإزاحة شمولياتهم المعمرة، في حين تتجنبون الإشارة إلى تناسل الطغاة من كل نوع بين ظهرانيكم، وتشيحون بأنظاركم عن تكاثر الدكتاتوريات من كل صنف بين جنباتكم؟؟. فهل أنتم مقتنعون حقا»بأن (الربيع العراقي) قد شعشعت أنواره ونضجت ثماره، ومن ثم استؤصلت شأفة لصوص ثرواتنا وقتلة أحلامنا والمتاجرين بمصائرنا، حتى صار حقا»علينا الإشادة بالربيعات العربية والاحتفال بانتصاراتها المدوية ؟! . والمفارقة أن أحدا»من هؤلاء وأولئك لم يبادر بالحديث عما ستؤول إليه أوضاع العراق الأمنية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية، غداة (رحيل) قوات الاحتلال الأميركي نهاية هذا العام ، بعد أن تركوا الضمائر خرابا والسرائر يبابا. لاسيما أن هناك العشرات – إن لم تكن المئات – من الملفات الخطيرة والمعقدة عالقة حتى الآن، دون أن يوجد ما يشير إلى أنها ستحظى بمعالجات معقولة وحلول مقبولة، ليس أولها تقسيم السلطات والصلاحيات وتوزيع الثروات والامتيازات، كما ليس آخرها مشاكل كركوك والأراضي المتنازع عليها في المحافظات الأخرى.
ولعل هناك من يختصر الأمر بالقول؛ إن وثيقة الدستور كفيلة بمعالجة تلك المشاكل وقمينة بحل تلك الإشكالات، وهو الأمر الذي يدعونا للرد بأن الدستور العتيد – بصرف النظر عن العيوب والثغرات التي تتخلل مواده وبنوده من ألفه إلى يائه – لم يكن ولن يكون في يوم من الأيام الفيصل الذي سيحتكم إليه المتخاصمون، لأنه – وببساطة – فصّل على غير مقاسهم وصيغ على غير طبيعتهم.. مما سيحمل القوى السياسية بكل تياراتها والعقائدية بكل أطيافها والقومية بكل تلاوينها، إلى شحذ نعراتها التعصبية واستنهاض نزاعاتها العدوانية واستنفار دوافعها الاستحواذية. وبالتالي ارتفاع معدلات العنف والعنف المضاد، لا بين أجهزة المجتمع السياسي المتهرئ أصلا»فحسب، وإنما بين مكونات المجتمع المدني والأهلي المتفسخة أيضا».
واللافت إن جلّ الذين آثروا الكتابة عن أحداث (الربيع العربي)، انساقوا بمزاج من الحماسة السياسية لا يحسدون عليها، بحيث لم يكن دافعهم تحذير وتنبيه الشعوب العربية، من مغبة التسرع بالقرارات والتهور بالممارسات والتطرف بالذهنيات، ولكن من قبيل التكبير للانتصارات والتهليل بالإنجازات، كما لو أنهم ضمنوا نتائج تلك التمردات وحصدوا ثمار تلك الثورات، للحد الذي أن الشعوب العربية المغمورة بنسائم ربيعها السياسي، لم تلمس بعد حصائل ما ناضلت من أجله وضحت في سبيله!!. اللهم سوى صعود الأحزاب الأصولية التي كانت متخفية، واستفاقة النزعات التحتية والثقافات الفرعية التي كانت نائمة.
فإذا كان من المعتاد ان مفهوم الربيع (الطبيعي) يوحي لنا بقدوم مظاهر الولادة الجديدة وتفتح عناصر الحياة بكل عنفوانها، فما الضمانات التي يمكن أن يقدمها لكم الربيع (السياسي)، طالما انه صنيعة مزاج الإنسان وتوق رغبته ؟!. أفليس والحالة هذه يبدو غريبا»وعجيبا» – ولا نقول مريبا» – أمر سدنة الفكر وأوصياء الثقافة، حين تستقطب اهتمامهم وتثير حفيظتهم وتستدعي متابعتهم أحداث الربيع العربي، في حين لا تحرك فيهم ساكنا ازمات الواقع العراقي.

حجز الفنادق

استضافة المواقع و تسجيل النطاقات

إعلان

الوسوم:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

*