الدولة وصناعة الظواهر الثقافية / بقلم : علي حسن الفواز

وسط ازمات مفتوحة، وصراعات غائمة ومشوهة، وهويات متنافرة تصطنع لنفسها المزيد من الاوهام لكي تذبح بعضها البعض، تبرز الحاجة القصوى لمواجهة مايتساقط من تداعياتها المرعبة، وما يمكن ان يشكل هشاشة مجتمعية من الصعب السيطرة عليها وضبط مساراتها..
هذا التصور يدفع بالضرورة  باتجاه  مراجعة وفحص هذه الازمات، والعمل على صناعة القوة المضادة،  قوة الصيانة والحماية، وقوة الوعي القادر على استفزاز الراسب في المخيال الاجتماعي، والدعوة بالمقابل  للمواجهة العاقلة، وعلى تشكيل سياقات فاعلة لهذه المواجهة.
فاعلية الظاهرة الثقافية  بوصفها قوة اجتماعية تمثل ابرز ضحايا هذه الازمات، اذ  تتعرض هذه الظاهرة اليوم لعملية تغييب وتهميش، وربما عملية طرد لاواعية، من منطلق ما تمثله  من  قوة اجتماعية مؤثرة في سياق  هذه المواجهة، و من منطلق دورها في ان تكون باعثا لصناعة المصدات اللازمة، والتي يمكنها الدفاع  ازاء اي  تضخم غير عقلاني وغير انساني للمكاره السياسية والامنية والصراعية، تلك التي باتت خاضعة للاسف الى معطى وتبديات الصراعات التاريخية والعقائدية، وليس الصراعات النمطية المعروفة..
ولعل من اخطر تجليات هذا التمثل هو تعريف وتوصيف الظاهرة الثقافية في السياق الاجتماعي والسياسي، وفي اطار علاقتها مع الدولة ومؤسساتها، فهل يمكن لهذه الظاهرة ان تتحول الى ملف حقيقي اسوة بالملفات التي تنشغل بها هذه الدولة ومؤسساتها؟
وهل يمكن لهذه الظاهرة ان تصنع لها رأيا عاما ضاغطا ومؤثرا؟
وهل يمكن تتحول الظاهرة ايضا الى مؤسسات وبرامج ومشاريع مستقلة عن المحاصصات التي تتخندق فيها القوى الصراعية؟
وهل يمكنها  ان تتحول الى نظام والى خطاب اجتماعي واقتصادي واستثماري يمكنها التأثير  من خلاله  على سمات ووظائف  الصناعة الثقافية؟
هذه الاسئلة وغيرها باتت اليوم اكثر مدعاة للمواجهة، وللتعاطي الفاعل مع  ازمة الغياب الثقافي، او العطالة الثقافية، او ازمة تهميش الملف الثقافي، اذ ان التعاطي مع مثل هذه الاسئلة يعني ادراك جوهر المشكلة، وحقيقة مايمكن ان تمثله، وما تثيره، وما يجب ان تستحقه، خاصة في ظل ظروف معقدة يمكن للخطاب الثقافي بوصفه رسالة للوعي ان يكون فيها مؤثرا وفاعلا.
البعض يمنح التوصيف الاجتماعي للظاهرة الثقافية  بعدا اقل  مما تستحقه، مثلما يضع المثقف بوصفه منتجا للمعرفة، في سياق هامشي وبعيدا عن دوره  الفعال في عملية التنمية الثقافية، والبعض الاخر يتهم المثقف بشتى الاتهامات التي تجعله خارجا عن السياق ومتمردا على السلوك والانماط،  حتى يبدو هذا الافتراض التوصيفي للمثقف وكأنه مأخوذ من مواقف استباقية ذات رؤى معينة، ومن مرجعيات علم النفس المرضي الذي يجعل المثقف كائنا اقرب للمريض النفسي منه الى الكائن المنتج للمعارف والافكار والجماليات.
يمكن توصيف هذا الثقافي- في السياق الوظيفي او المؤسساتي-  وعبر مرجعيات نفسية او اجتماعية تتجاوز على طبيعة ما يمكن ان يكونه المثقف ذاته داخل مجتمعات تعاني من تعقيدات صعبة ومن مشكلات صعبة تخص التنمية والتعليم والعدالة الاجتماعية والسلم الاهلي والحريات، وكذلك من ظروف صراعية تتبدى عبر انماطها الثقافية واللغوية و السلوكية العديد من الاشكالات التي مازالت عالقة بادبيات السياسة وسياسات النظام الاجتماعي، اذ تواجه هذه المفاهيم صعوبة تحديد هوية المثقف وتوصيفه، وصعوبة في صناعة عاقلة وتنويرية واصلاحية للخطاب الثقافي، فضلا عن طبيعة دور المثقف في وقائع محتشدة بالصراعات والازمات وهيمنة الانماط التقليدية برموزها وطبائعها، والتي كثيرا ما تتوه في توصيف المثقف وماهي مسؤولياته، وربما تخضع في توصيفها المحدود الى مرجعيات مازالت ترى المثقف بانه الداعية والفقيه والحكيم وغيرها من التوصيفات التي خضعت منذ عقود الى مراجعات واسعة، والى ازاحات مفهومية جعلت من المثقف هو الشخص الفاعل والمؤثر والصانع الاستثنائي للسياسات والتوجهات التي تسهم بشك او باخر بالتأثير على المكونات الاجتماعية، وعلى الاتجاهات الثقافية باتجاه تغيير انماط سلوكها وعادتها، خاصة اذا ادركنا ان الثقافي لم يعد محصورا في اطار انتاج انماط التفكير القديمة، او هو المفسر لنصوص السلطة، او الحامي لخطاباتها، بقدر ماتحول المثقف الى مصدر متعال لانتاج مقدمات التحولات الكبرى، هذه التحولات التي باتت تشكل الاستشراف المهم في وعي معطيات المستقبل..

الظاهرة الثقافية..و قيم الدولة العادلة

الدفاع عن صناعة الظاهرة الثقافية، هو دفاع عن قيم الدولة العادلة، وعن صورة المثقف بوصفه القوة الخلاقة  المنتجة لقوة المعرفة اولا، والدفاع عن مصادر انتاج هذه المعرفة ثانيا، بكل ماتعنيه هذه المعرفة من افكار ومعلومات وفلسفات واستبيانات وبرامج، والتي اخذت تشكل في عصرنا الحديث المصدر المهم في عمل موجهات استقراء المستقبل، وفي صناعة المشاريع الكبرى بما فيه مشروع الدولة الوطنية، وبالاتجاه الذي يعزز ادوار القوى الاجتماعية المدنية الجديدة في المجتمع. لان الدولة التي لاتؤسس تحولها التاريخي والمؤسساتي على المعطى المعرفي والمعلوماتي، ولاتمنح الدور الحقيقي للجماعات الثقافية لكي  تتبوأ المسؤوليات الفاعلة والمؤثرة، والتي تمنحها الفرص الحقيقية لانتاج المزيد من المعارف الفاعلة المعززة لسيرورات التحول، هي دولة ستواجه العديد من الازمات، بما فيها ازمات انتاج الماضي السياسي الذي يمثل في وجه من وجوهه نمطا من انماط الثقافات المهيمنة، ثقافات النكوص والتمركز السلبي، والتي اصطنعت لها للاسف مؤسسات ومظاهر نظيرة، واشكال ادارية وتسويقية تتمثل فيها وظائف الدولة القديمة ومرجعياتها الاستبدادية والامنية..
ومن هنا نجد ان صناعة الثقافي تمثل  الاساس في صناعة المقدمات الراكزة للدولة الجديدة، اذ سيكون هذا الثقافي هو المصد في مواجهة تداعيات الدولة القديمة، ومنع اعادة انتاج اشكالها الاستبدادية، وانماط تفكيرها التي تجد في الفراغ الثقافي الذي تعانيه عملية التحول السياسي ثغرات للتسلل الى الواقع الجديد، والتعمد في تعويق مسيرة انتاج المستقبل. وهذا ما يلقي على عاتق الجهات المسؤولة في الدولة الجديدة ادوارا استثنائية في اعادة فحص الفضاء الثقافي، بوصفه فضاء للتنوع، والتعدد، وصياغة وجود تفاعلي للثقافات الوطنية..
وهو مايتطلب بالضرورة اعادة النظر بآليات عمل المؤسسات الرسمية من جانب، وتشجيع ودعم عمل المؤسسات الثقافية المدنية، وبالاتجاه الذي يواجه التحديات الكبرى التي تواجهها الدولة ذاتها، وكذلك بالاتجاه الداعم  للعمل على تقوية المناطق الرخوة والهشة، وبما يمنحها القدرة على امتلاك القوة الانسانية والقوة المعرفية التي تملك حيوية المواجهة ووعي ما ينبغي ان يكون.

حجز الفنادق

الوسوم: ,

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

*