الدولة.. مرجعيات الإصلاح.. إشكالات الواقع ( علي حسن الفواز

تبقى نظرية الدولة من اكثر الطروحات الاشكالية اثارة للاسئلة، لان هذه النظرية تحولت الى نوع من الممارسات الضاغطة، وبات استعمالها اكثر التحديات خطورة في صناعة المحن العربية المتتالية، اذ ان العجز عن صناعة هذه الدولة تحول الى نوع من الانسداد التاريخي، مثلما بات محرضا عن كشف هشاشة النظم الاقتصادية والتعليمية والسياسية الموازية، والتي اسهمت منذ اكثر من نصف قرن  في  انتاج نظم وحاكميات شمولية ورطت الشعوب بالكثير من اسباب التخلف والجهل، والكثير من الحروب والازمات، واخضعتها كذلك الى رعب الاستبداد والديكتاتوريات.
مفهوم الدولة خارج اطاره النظري لم يتحول للاسف الى سياق اجرائي منظم، ولا الى حاضن قانوني، بل ظل مفهوما ملتبسا، وغامضا، ومحكوما  باوهام السلطة، فنحن- للاسف- لا نعرف السياقات الحقيقية لمفهوم الدولة الحديثة، ولانملك تصورا واضحا عن ملامحها، ولا عن صورتها الحقوقية والاخلاقية التي علقت بالعقل الثقافي مع صور الثورة الفرنسية، او النموذج الذي تحدث عنه رفاعة الطهطهاي في كتابه الشهير (تخليص الابريز في باريز) فاغلب النظم العربية الحاكمة جاءت بمرجعيات غير ديمقراطية، وخارج اي تصور لمفهوم الاصلاح السياسي في فكرة الدولة(نظم ملكية بمرجعيات عائلية ونظم عسكرية بمرجعيات انقلابية) وحتى صور الثورات التي حدثت اخيرا، لم تكن الاّ جزءا من تلك المحنة التي تتعلق بعملية البحث عن الخلاص، لانها كانت  ثورات بلا ثوار، وبلا برامج حقيقية، لذلك وقعت في متاهة النموذج، واستنفرت معها الصورة المغلقة للحاكمية التاريخية المرعبة  باصولياتها وطبيعة قواها  المتوهمة  بمفهوم الدولة التاريخية..
اعدت كتاب قراءة (الاصلاحية العربية والدولة الوطنية) للكاتب المغربي علي اومليل، لاعادة فحص مفاهيم الدولة والاصلاح والحرية والديمقراطية، ولكي اقف على  الطبيعة الاشكالية لرعب الانسداد  التاريخي الذي ظل يعيش مهيمناته العقل السياسي العربي، عبر تمظهرات صورة الحاكم، والجمهور، وعبر البنى الهشة التي تضع هذه العلاقة في سياق مضطرب..

الاصلاح… الحضور الشائه،
والغياب القوي..

مااحسبه ضروريا في هذا السياق يقودني  للحديث عن مرجعيات مايحصل، وهل انه يعكس ازمة هذه الثورات، ام ان له جذورا عميقة تبرر هوية الانسداد التاريخي، وتكشف عن عطالة العقل الثقافي والسياسي في التعاطي مع هذا الانسداد..
يثير اومليل الكثير من الاسئلة التي تتعلق باسباب تقهقر فكر الاصلاح في الفكر العربي، والتي يستند فيها الى التصورات التي كثيرا ماطرحها مفكرو العرب المحدثين ووقوفهم على الاسباب الاساسية لتقهقر مزدوج: بالنسبة لماضيهم وكيفية معالجة الطريق الى الاصلاح من قبل هؤلاء المفكرين.
فبدءا من فكرة التصنيف العمومي للفكر العربي الحديث، وتوزيعه على اساس ثنائية الى السلفية والليبرالية، وانتهاء بخواء وهشاشة الانتلجنسيا العربية، تلك التي ظلت بعيدة عن أي دور انقاذي وتطهيري وحتى اصلاحي بالمعنى الثوري للاصلاح، فان الوقائع على الارض تمثلت لكل هذه التعقيدات والصراعات، حتى بدت محكومة بها، ولاتملك اية قدرة لتجاوز ازمتها على مستوى المعيش الحقيقي، وعلى مستوى  بناء  الدولة  الجامعة والعادلة.
تلك التصنيفات والتوصيفات تحولت الى سوح مفتوحة لانتاج المزيد من الاوهام، اذ  بدت  قاصرة جدا عن اية مقاربة نقدية، لانها لم تقارب الجوهر الاشكالي للازمة، ولانها لم تلمس عمق المشكلة السسيوسياسية التي افرزت العديد من المظاهر المعقدة داخل البنية الثقافية العربية.
ازمة  الدولة العربية، هي ازمة الجماعات، مثلما هي ازمة  قراءة التاريخ، وكذلك هي ازمة مااقترن بالاحتلالات المرعبة بدءا من الاحتلال العثماني، مرورا بالاحتلالات الانكلوسكسونية والفرانكفونية، وانتهاء بالاحتلالات الاميركية وتوابعها القومية..وهذه المعطيات اقترنت- على مايبدو- بطبيعة الاسباب المتعددة  الذي فسّر به المفكرون العرب والاسلاميون المحدثون تأخر بلدانهم، وبالتالي شكل تصورهم لما عسى أن تكون عليه مقدمات قراءاتهم لمشكلات مايسميها اومليل ب(النهضة) أو(التقدم).
ان المفهوم الذي وقف عنده المفكرون العرب المحدثون تموضع داخل سياقات مغلقة، اذ هي ارتبطت بتوصيفات خارجية وعائمة، ومحمولة على الكثير من الشكوك، فالسلفيون والليبرليون والاصلاحيون!! لم يضعوا مفهومي (التأخر) و(التقدم) في السياق الاستعمالي الحقيقي، ليس لان عوامله الموضوعية لم تنضج بعد، بل لانه خاضع لاشكالات معقدة يدخل فيها التاريخ وازماته الصراعية، مثلما تدخل فيه الطبيعة الخاصة للمؤسسة السياسية العربية الحاكمة. فكان “الاستبداد” عندهم هو السبب العمومي لتفسير ازمات “التأخر” أو “الانحطاط” وكان الحل او الاصلاح عندهم، يرتبط باقرار نظام “الشورى” أو “الدستور” وعلى وفق رؤى لم تتضح كثيرا، والذي برزت تمظهراته الصراعية في الوقت الحاضر، لاسيما على مستوى اقرار مرجعيات الدستور، وتفسير مرجعياته.. وان الاحاديث التي روج لها العديد من المفكرين العرب الاسلاميين والليبراليين على اختلافهم ومنذ القرن الماضي للاشكالية نفسها، لم تخرج عن الفهم التقليدي، فالاسلاميون يرون  انها مناسبة لابراز  صورة نظام الحكم الاسلامي.  والليبراليون بدوا  وكأنهم اكثر تعلقاً بالافكار السياسية الاوروبية التي روجت لقضية الدستور، ولمفهوم الدولة الجديدة.
الدولة الدستورية…
الوضوح والغموض

طروحات اومليل تنحو باتجاه اعادة قراءة الفكر العربي الاصلاحي العربي بوصفها مقاربة للمسألة الدستورية، وللنظر الى قضايا المشاركة الشعبية، ومفهوم الحكم، وهو ما اتفق عليه اصحاب الاتجاهات  السلفية والليبرالية، لكن المشكلة تكمن في تلازم هذا الفهم مع طبيعة الاسس التي يمكن ان تشرعن العلاقة الآمنة مابين الدستور والحكم. لذ ظل فهم الدستور غامضا ونخبويا، والقاعدة الشعبية بعيدة الى حد ما عن التعاطي مع تطبيقات الدستور في واقع مضطرب ومشوه، وبعيدة عن اية فكرة حقيقية وواضحة للاصلاح..
حاول امليل في كتابه ان يلامس الكثير من القضايا الاشكالية التي تخص منظور الاسلاميين لهذا الاصلاح، وهل ان   الاصلاح هو ضرورة لازمة؟ وهل له مرجعيات فقهية في الخطاب الاسلامي، كون الاسلام اطارا ضروريا وكافيا لتدبير المجتمع مهما استجدت نوازله كما يقول
اومليل؟
كما انه تدارك منهجيا ما تتطلبه نظرته  للحديث عن اهمية التعالق بين طروحات الاصلاحيين الاسلاميين المعاصرين، والاصلاحيين القدامى، وامكانية تناغمهم مع الاصلاحيين المحدثين. اذ وضع هذا التدارك ضمن رؤيته الاستشرافية  لما يمكن ان يكون لازما وقارا في تلمس محمولات الخطاب الاصلاحي الاسلامي الحديث، والذي نشأ بفعل الكثير من المؤثرات، والتي ابرزها كان التوسع الاوروبي، والتداخلات الحضارية، والثورات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية في الغرب..
هذه التمظهرات تحولت الى تقاطعات، والى نوع من الفوبيا الاصلاحية، لانها اصطدمت بطبائع المهيمنات المركزية  للمؤسسات القديمة، والتي تحولت الى(شك منهجي) بالديمقراطية، وبمفاهيم الاصلاح والدولة، بما فيها من تعالقات مع قيم (الدستورية والتعددية الحزبية والبرلمانية) والتي تمثل جوهر افكار الحداثة، اذ ظلت المؤسسة القديمة محصنة بمفاهيم ضاغطة وعصابية، والتي تقوم عند البعض على مفهوم(ولاية الامر) و( الاستبداد العادل) وصولا  الى المفهوم العصابي لصورة (القائد الفذ) الذي هو جزء من منتجات الفكر القومي الحديث، والذي جعلت منه الافكار القومية في صورها البعثية والناصرية استعادة  للبطل التاريخي، والذي تخضع الدولة الى سلطته العليا، بوصفها رمزا اخلاقيا للعدالة والرسالة، وبوصفها القوة  الرمزية  للصيانة العقيدية المدافعة عن الدين والتاريخ وعن الجماعات بوصفهم اتباعا او مريدين، او انهم  صورة مختزلة للامة التي تصنع وتعزز  صورة الدولة الحاكمة، والقادرة على مواجهة  التهديدات الخارجية، بما فيها تهديد  الغزو الثقافي والاخلاقي
والديمقراطي.

حجز الفنادق

الوسوم:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

*