الدراما الاجتماعية وإنتاج الأفكار / بقلم : كريم عبد

المتابع للإصدارت العربية المـتأخرة ولما يُـنشر في الصحافة الجادة، يرى، وبخاصة خلال العقدين الأخيرين، بداية لتحول نوعي في توجهات الكتابة والتفكير. نقول بداية لأن هذا التحول يؤسس نفسه بصعوبة وسط تراكمات سابقة نشأت وترعرعت في الذاكرة الثقافية العربية منذ الخمسينيات، كحالة عامة لا تلغي الاستثناءات بطبيعة الحال، تراكمات في التأليف السياسي والفكري اعتمدت على مقولات جاهزة ذات وقع أخّاذ وحاسم، على طريقة ( قال هيغل .. وقال ماركس .. ) فمفكرون وفلاسفة من هذا النوع لهم تأثيرهم وحضورهم في تاريخ المعرفة ليس من السهولة مخالفتهم أو العبور على ما قالوه بسهولة فيكتسب الاستشهاد بهم نوعاً من الحصانة الفكرية التي قد لا تكون في محلها دائماً، بل ربما يؤدي إلى حالة من التحجر التنظيري التي تبعد الخطاب الفكري عن الواقع وتجعله أسير المقولات الجاهزة.
فالمشكلة ليست في تراث هؤلاء العباقرة وسواهم ممن أغنوا المكتبة الإنسانية، بغض النظر عن مدى اقترابنا أو ابتعادنا عن المدارس التي يـمثلونـها، لكنها تكمن في تلك (الطريقة) التي اتبعها الكثير من الكتّاب العرب في الاستشهاد بـمقولاتـهم، لأسباب أيديولوجية أو استعراضية، والتي غالباً ما أدت الى نتائج سلبية، بـمعنى أن تلك الاستشهادات تأتي لا لتنوير فكرة وخدمة حوار، بل لدحض الآخر (العدو الأيديولوجي) حتى لو لم يكن يـمتلك أيديولوجيا أحياناً! وتسفيه مقولاته و(الانتصار) عليه ! أو إيغالاً في النـزعة الاستعراضية التي تخالطها الادعاءات والنفاجة الثقافية عادة، حيث تتحول تلك المقولات الى (سلطة) ثقافية قامعة، فهي مُستجلبة لـهذا الغرض وليست لضرورة فكرية تغني الحوار وتطوره عندما يصبح الكاتب بحاجة ماسة للاستشهاد أحياناً، أو وفقاً لمستلزمات الأمانة الثقافية التي تستوجب احترام تاريخ منشأ الأفكار وسياق تطورها.
هذا التحصّن الأيديولوجي القمعي أو النفاجة الاستعراضية التي ما تزال بقاياها مستمرة، لعبت دوراً سلبياً وتعطيلياً لتطور الفكر العربي المعاصر الذي يُفترض أن ينشأ من تلمس وقائع التجربة المعاشة ومفارقاتـها وما تطرحه من أسئلة إعتماداً على المعطيات التاريخية التي تحكّمت بالظواهر موضوع البحث أو الحوار. لأن المثقف الفاعل هو القادر على إنتاج أفكار عبر تأمل ظواهر الحياة التي عاشها أو شارك فيها أو تأملها، أو هي التي ساهمت بتشكيل أفكاره وتصوراته وإيقاعه العام، حيث ظواهر الحياة ذاتـها تصبح هي (المراجع) وهي مادة التفكير والأسئلة، وليست تلك الكتابات المثقلة بالمقولات الجاهزة والإحالات المجانية التي لا تضيء حقيقة ولا تحرك حواراً، لتنضاف بالتالي الى ركام من مثيلاتـها، التي ستظل باستمرار بحاجة الى زمن أضافي للتخفف منها وتجاوزها.
لكن ورغم هذا العائق، أو بسببه ربـما، كان لا بد من بداية جديدة، أو مواصلة لتلك الجهود القليلة التي ظلت منذ بداية القرن في منأى عن المناخ (المرجعي) المذكور، حيث نشهد منذ بداية الثمانينيات تقريباً وليس تحديداً، عودة فكرية الى تأمل مباشر – أي دون وساطة المقولات الجاهزة- لظواهر الحياة ومفارقات التجربة الإنسانية، وهي نفس الطريقة الضرورية التي كان لا بد منها لنشوء وتبلور الأفكار في البلدان المتحضرة، حيث تكوّنت النظريات والفلسفات كنتيجة لمعاناة طويلة في تأمل الصراعات والحروب دون الانقطاع عن الماضي التاريخي والثقافي، إذ أصبحت تلك المناهج والمعطيات العلمية تراثاً مشتركاً للإنسانية، لإضاءة طرق التفكير وتطوير الحوار وليس للاستشهادات المجانية والتعسفية أو للنفاجة والإدعاء .
إن عملية إنتاج الأفكار حول الظواهر التي نعيشها، هي التي تـميز بين كتابة حقيقية وبين أخرى كثيراً ما تكون ملفقةً تلفيقاً عبر استغلال مقولات الآخرين وأفكارهم. فمن يستطيع إنتاج الأفكار لا يصعب عليه الاستشهاد بـهذا المرجع أو ذاك إذا وجدت ضرورة لذلك. أما الذي تـمرس على التلفيق فهو لا يستطيع أن يفعل شيئاً خارج تلك المراجع التي يتبجح بـها، لأن التلفيق والتبجح وجهان لعملة واحدة.
ومن هنا نستطيع أن نفهم، وهذا أمر ضروري، لماذا اقترنت البداية الفكرية الجديدة بالدعوة الى الديمقراطية وإقرار تعددية الثقافات، في حين اقترنت الظاهرة السابقة بالحسم والمطلقات الأحادية الجانب لفرض إيديولوجيات معينة.
لكن ورغم أهمية هذه الظاهرة فإن هذا لا يعني نـهاية المشكلة المذكورة، فمع استمرار البعض في التشبث بطريقة ( قال هيغل … ) الاستعراضية، نشأت لدينا (مدرسة) جديدة تعتمد على الترجمات المتأخرة، حيث نجد مؤلفات ومقالات كثيرة تزخر بتعبيرات مغرية تُستخدم باعتباطية واضحة مثل ( تعرجات الإزاحة التاريخية، المحذوف وحذف الذاكرة .. الخ )!! وهي تجد دائماً من يروّجها ويشجع عليها، مقترنة بأوهام وفذلكات أدبية عديدة، حيث تكمن مغبتها في كونـها هي أيضاً أخذت تتراكم لتتحول عند البعض، وخاصة المستجدين، الى (ثقافة) بحد ذاتها، أي جدار من التلفيقات يحول بينهم وبين تطوير نشاطاتهم العقلية !! فسطوة الأوهام ومغرياتـها عند الشعوب المخذولة أو التي تؤسس وعيها من جديد نتيجة لانقطاعات حضارية طويلة، تصبح أقوى جذباً من ظواهر الواقع وأسئلة التجربة المعاشة، بحكم سهولة الأوهام مقابل صعوبة الاقتراب من ظواهر الواقع وتفكيكها لفهم معطياتـها، التي هي بحاجة دائمة الى جهود عقلية متأنية وتأمل عميق.
إن عملية إنتاج الأفكار لا تهبط على الكاتب مرّة واحدة، فهي مثل أي عمل عقلي آخر، بحاجة إلى ثقافة وتمارين ومواجهة مستمرة مع ظواهر الواقع من جهة ومع اللغة من جهة أخرى، لأن الكاتب يحاول ضمناً أن يكتشف ذاته عبر مجرى الأحداث والكلمات. يكتشف ذاته بمعنى يختار ويؤكد مواقفه. لكن هناك كتّاب يريدون أن يكون لهم إنتاج وحضور ثقافي دون أن يكون لهم موقف مما يجري حولهم ! هناك أدباء يعتقدون إن الكتابة هي مجرد لعب لغوي، فهل إنتاج الأفكار أو كتابة الأدب أصبحت هواية ؟!
إن العودة إلى تأريخ الأدب والمعرفة عموماً، يجعلنا نرى بوضوح الحقيقة التالية: إذا لم تكن ذات الكاتب أو الأديب أو الفنان بؤرة للدراما الاجتماعية، لصراع الخير والشر، وإذا لم يكن له مواقف واضحة ومحددة من كل ما جرى ويجري في بلده وفي مختلف مناطق العالم بل وفي التاريخ الإنساني أيضاً، فلن يكون لثقافته معنى ولا للغته جدوى. وإذا لم يستطع أن يعيد إبتكار الكلمات والأفكار في خضم الدراما الإنسانية، فإن كل ما يفعله سيذهب إلى الفراغ أو يتراكم ضمن سياق الثقافة الزائفة التي لها تاريخها ورموزها أيضاً.
إن إهمال الجوهر أدى إلى تركيز الإهتمام بالشكليات أو بالأوهام، ولنتأمل المفارقة التالية: فأنت لو أهديت كتابك لأحد الشعراء العرب وكتبت له (إلى الصديق الكاتب فلان الفلاني ..) فهو سيحسب هذه العبارة إهانة له، لأنك لم تطلق عليه صفة (شاعر) وكأن الشعر لا ينتمي لجنس الكتابة، أو كأن الشاعر يصبح شاعراً من خلال كلام الآخرين عنه وليس من خلال نصوصه! بينما كان الشاعر الإنجليزي المُكرس عالمياً تيد هيوز في محاضراته الأخيرة التي ألقاها بلندن في 1996 أي قبيل وفاته بأسابيع، يقول عندما يريد الحديث عن نفسه ( أنا بصفتي كاتباً … ) ففي أوربا تطلق صفة (كاتب) على جميع من يمارس عملية الكتابة باعتبارها صفة مشتركة، فهذا يكتب روايات وذاك يكتب قصائدَ وآخر يكتب أفكاراً، أما عندنا فرنين الألقاب يسبق الأسماء والنصوص حتى أصبح لدينا المئات من المفكرين والمحللين الستراتيجيين والشعراء الكبار .. الخ، والسؤال هو: إذا كان لدينا كل هذا العدد من الجهابذة فلماذا بقينا في آخر الأمم ؟!
إن كلمة   poetالمأخوذة عن الإغريقية، ووفقاً لقاموس أوكسفورد تعني كلَّ من يملك مقدرة خيالية أو تعبيرية عالية تتجسد فعلياً في نتاجه كالتشكيلي أو القصاص، بمن في ذلك كاتب القصائد إذا كانت قصائد حقاً. لكن عندنا يعتقد البعض إن لقب الشاعر يضفي عليه هالة أسطورية ويعفيه من الألتزامات الاجتماعية ويسمح له أن يكون سكيراً ومدخناً نهماً باعتبار إن الأقدار ألقت على كاهله معاناة البشرية عبر التأريخ !!
إن مثل هذه المفارقات هي من نتائج (الأفكار) التي ينتجها محيط ثقافي معين أو كاتب معين حول نفسه. فعندنا في البلدان العربية عموماً، يعيش المئات في كل جيل متورطين بلوثة الشعر وأوهامه ويموتون غارقين بتلك الأوهام والمشاحنات ولكن دون أن يتركوا شعراً يذكّر باسمائهم. إنها خسارة ومأساة فعلاً .. إن الكثيرين من هؤلاء كان يمكن أن يكونوا باحثين أو مؤرخين أو رجال أعمال ناجحين، لكن الوهم المتراكم تاريخياً عن (شخصية الشاعر) قد أعمى بصيرتهم.
ومن هنا تأتي خطورة وأهمية إنتاج الأفكار الواقعية عن الذات وعن الآخرين، أي بدءاً من دقة الأفكار التي ننتجها عن أنفسنا وأهميتها وجدواها، فمن لا يملك القدرة والدقة على إنتاج أفكار صحيحة عن نفسه لن يكون بوسعه فهم ما يدور حوله، ناهيك عن أن يكون مشاركاً فعالاً في عصره وداخل ثقافته …

حجز الفنادق

استضافة المواقع و تسجيل النطاقات

إعلان

استضافة مواقع عراقية

الوسوم: ,

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

*