الحيز الجغرافي للمصالح الأميركية ( عماد الامارة

تبدي الستراتيجية الاميركية ميلا واضحا ونزوعا قويا الى تبني اسلوب الردع الذي يظهر قدرتها وتصميمها على استخدام القوة العسكرية, رغم تبدل توازنات القوى في البنية الهيكلية للنظام الدولي وبالشكل الذي يضمن لاميركا انفرادا متميزا. هذا النزوع الى استخدام القوة العسكرية او التلويح بها يأتي عندما تشعر اميركا بأن مصالحها الحيوية تعرضت او انها سوف تتعرض للخطر, اي ان السمة الاساسية لمنهج التفكير الستراتيجي الاميركي تجمع بين التهديد باستخدام القوة او استخدامها فعلا.
وقد ترجم عدد من رؤوساء الولايات المتحدة هذا النهج على ارض الواقع, نذكر منهم على سبيل المثال الرئيس كارتر (الديمقراطي) الذي اعتمد ستراتيجية التدخل المباشر او الانتشار السريع, وفي عهد الرئيس ريغان تبنت اميركا ستراتيجية حرب النجوم والدرع الفضائي, وفي عهد الرئيس بوش الابن (الجمهوري) تبنت ادارته ستراتيجية الضربة الوقائية او الدفاع الوقائي.
هذه الانماط من الستراتيجيات تم تبنيها اثناء الحرب الباردة وبعدها، اي بعد تفكك الاتحاد السوفيتي وبقاء الولايات المتحدة كقوة قائدة في النظام الدولي, رافق هذا اتساع الحيز الجغرافي لمفهوم المصالح الحيوية, هذا الواقع الجديد فرض على اميركا تبني ستراتيجيات مختلفة لمجابهة انماط متعددة من التحديات, وهنا نتساءل: ما هي طبيعة المصالح الحيوية الاميركية التي تستوجب استخدام القوة العسكرية او التهديد باستخدامها؟ الجواب هو ان مسألة الامن القومي الاميركي هي التي تحدد ماهية المصالح الحيوية الاميركية, وبالتالي يرتبط هذا الاطار المفاهيمي في تكوين العقيدة الامنية للولايات المتحدة. قد نجد صعوبة في تحديد ماهية المصالح الحيوية لأميركا في كثير من الاحيان لكن الكل يتفق ان تلك المصالح وحيزها الجغرافي يتسم بامتدادات عالمية وانتشار واسع.
معظم خبراء الستراتيجية السياسية والعسكرية قسموا مستويات التهديد للمصالح الحيوية الاميركية الى ثلاثة مستويات، الاول كان متمثلا بتهديد الاتحاد السوفيتي السابق كقوة عظمى لمصالح اميركا, وبعد زوال الاتحاد السوفيتي برزت قوى مرشحة او بديلة هي روسيا الاتحادية والصين. والمستوى الثاني من التهديد وفق المنظور الستراتيجي الاميركي هو المدى العملياتي لتواجد القوات الاميركية (مشاة البحرية وحاملات الطائرات وغيرها) في مناطق آسيا الوسطى ومنطقة الشرق الاوسط وفي مقدمتها منطقة الخليج العربي.
المستوى الثالث من التهديد المنظور وفق الرؤى الاميركية يشمل مناطق لا تهدد المصالح الحيوية والوجود الاميركي تهديدا مباشرا, لكن وجودها يعتبر مقلقا لأميركا من الناحية الامنية, لذا تتحسب الادارة الاميركية لذلك وهذه المناطق هي (البلقان والصومال والسودان وهاييتي ورواندا). بعد ان عرفنا مستويات التهديد التي تتحسب لها اميركا نجدها وفق هذه الرؤى الستراتيجية الامنية والعسكرية التي تبنتها لمعالجة هذه الحالات وزعت قواعدها العسكرية ايضا وفق الترتيب التصاعدي للتهديد, وكانت على الشكل الآتي, قواعد عسكرية دائمية تمتاز بالتحركات الواسعة النطاق مميزاتها تكون ذات استحكامات وخطوط دفاع قوية قادرة على صد اية هجمات تقع عليها لحين وصول الامدادات الازمة لها, هذا النمط من القواعد حظي باهتمام القيادة السياسية والعسكرية الاميركية, وهذه القواعد يوجد بعضها في تايلند وكوريا الجنوبية واستراليا, ثم هناك قواعد عسكرية تمتاز بتحركات محددودة مهامها الاستكشاف الجوي, وعليه تتكون من مطارات لسلاح الطيران الاميركي ومن محطات رادار وغيرها من المعدات الفنية التي تستخدم للكشف عن التحركات المعادية للولايات المتحدة, مثل هذه القواعد اقيمت في الفلبين, والنوع الثالث قواعد عسكرية للطوارئ وهي تشكل الجانب الاحتياطي العسكري عند اقتضاء الضرورة لذا تسمى بالقواعد المساعدة, لكن الذي يلفت الانتباه هو الانتشار الواسع للقواعد الاميركية في المحيط الهندي, وعليه فان القواعد السابقة التي ذكرناها تشكل قواعد مكملة لعشرات القواعد الموجودة في المحيط الهندي والمحيط الهادي والبحر المتوسط والبحر الكاريبي, ومن القواعد الموجودة في المحيط الهندي قاعدة بومباسا في كينيا وقاعدة لورنس مركير في جنوب افريقيا وقاعدة ديغورغارسيا التي تبلغ مساحتها  28 كيلو متر مربع وتبعد  1900 كيلو متر عن جنوب الهند ونفس المسافة عن الشواطئ الاندونيسية.
هناك تساؤل يطرح نفسه: في ظل كل هذه القدرات العسكرية المتمثلة في قوة اميركا اقتصاديا وعسكريا وفي قواعدها المنتشرة في انحاء العالم كيف تظهر داعش الارهابية وتتحرك بحرية لتسقط الرقة السورية وبعض المدن العراقية كالموصل وتكريت وديالى والرمادي والفلوجة؟, الا تمثل منطقة الشرق الاوسط مصلحة حيوية لاميركا؟, نترك الجواب للمعنيين او اصحاب الشأن انفسهم.
الغريب في الامر ان تحرك داعش يقع بالقرب من البحر المتوسط الذي يمثل مصلحة عليا مهمة وحيوية لأميركا, حيث تقع على سواحله خطوط نقل النفط الى اوروبا, وله اهمية كبيرة لاسرائيل حليفة امريكا القوية, وتسمح طبيعة البحر المتوسط ان يكون مسرحا فاعلا لجميع انواع الاسلحة البحرية وفي جميع فصول السنة, وللدول العربية امتدادات طويلة على البحر المتوسط تمتد لمسافة 7 آلاف كيلومتر من طنجة في المغرب الى شمال سوريا, ولتركيا العضو الاساس في الناتو ساحل في جنوبها يطل على هذا البحر، ولا شك ان تركيا الاطلسية لها موقع ستراتيجي اذ تشكل ميمنة حلف شمال الاطلسي على الجهة الاوروبية, فضلا عن كونها قاعدة لا بديل لها عند الغرب لأنها تحتضن اجهزة وطائرات المراقبة التابعة لحلف الناتو والموجهة سابقا نحو الاتحاد السوفيتي
والآن نحو وريثه روسيا الاتحادية، وذلك لأن المصالح الغربية عامة والاميركية بصورة خاصة تستغل العامل الجغرافي وفق مصالحها ولكن بصورة انتقائية ونكتفي بهذا المثال مع علمنا بوجود الاسوأ.

حجز الفنادق

استضافة المواقع و تسجيل النطاقات

إعلان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

*