الحاجة إلى طاغية ! ( طارق رسن

تنتج الأنظمة الاستبدادية خلال السنوات الطويلة من حكمها الكثير من العلل والعاهات الاجتماعية والأخلاقية … التي تظل تفتك بنسيج المجتمعات حتى بعد سقوط تلك الأنظمة وانهيارها . يبدو لي ذلك جليا من خلال النظر لما يجري على المشهد التونسي والمصري بعد الإطاحة بنظامي زين العابدين بن علي وحسني مبارك . فقد ازدادت نسبة الجريمة والعنف، وما عاد المواطنون يشعرون بالأمان ، بروابط التماسك الاجتماعي فيما بينهم، وبرزت ظاهرة الاقتتال المسلح بين العشائر في القرى والأرياف، وتوقفت أو كادت مشاريع التنمية والإعمار ، وغدت نسبة الجياع والعاطلين عن العمل أكثر مما كانت عليه في السابق ، وانبثقت الأحزاب والكيانات السياسية ذات الأيديولوجيات المتباينة تسعى للسلطة بكل ما أوتيت من إمكانيات، ناهيك عن الفتنة الطائفية بين المسلمين والأقباط في مصر، والتي باتت تهدد كيان الدولة الجديدة . أما الإسلاميون والعلمانيون في كلا البلدين فهم الآن مثل الأوس والخزرج قبل دخولهم للإسلام (خصماء الدهر) يعيشون حالة من الشقاق والتناحر لا يقل خطرها عن الفتنة الطائفية بين المذاهب والأديان .
 إنها الفوضى التي يتلذذ الطغاة وأتباعهم بمشاهدتها ، وكأن لسان حالهم يقول بشماتة هذا ما جنت أيديكم ، فذوقوا ثمار ثوراتكم المرة . إنه إرث الطغاة ، وليس بالسهولة التخلص من إفرازاته القاتلة ، وبناء دولة مدنية تؤمن بالحريات وحقوق الإنسان، وتعمل على ترسيخ  قيم التعايش السلمي بين مكونات المجتمع الواحد . نعم إنها مهمة عسيرة جدا ، ولكن بالإرادة والحكمة والنية الصادقة يمكن تحقيق ذلك.
 لقد عاشت بلاد جنوب أفريقيا لثلاثة قرون تحت نير حكم التمييز والفصل العنصري ، وسلبت حقوق الشعب من قبل الأقلية البيضاء الحاكمة ، وعومل سكان البلاد الأصليين بقسوة بالغة ، وانتهكت حقوقهم الإنسانية .. لكن ما يثير الدهشة والانبهار هو عملية التحول والانتقال السلسة التي حدثت من عهد الظلم والاستبداد إلى عهد جديد مختلف تماما . حدث ذلك بعدما اقتنعت الأقلية الحاكمة بعدم جدوى الاستمرار بسياسة العنف والفصل العنصري ، إضافة إلى أسباب أخرى، فقررت الدخول في مفاوضات مباشرة مع قيادة المؤتمر الوطني الأفريقي بزعامة نيلسون مانديلا الذي أطلق سراحه بعد 27 سنة من السجن . استمرت المفاوضات أربع سنوات 1990 – 1994 نوقشت خلالها كافة التفاصيل والمعوقات التي قد تعترض سبل بناء دولة جديدة تقوم على أساس الديمقراطية والتعايش السلمي بين مكونات المجتمع المتنوعة ، وطي صفحة الماضي للأبد . لقد نجح المتفاوضون وأصبح نيلسون مانديلا أول رئيس منتخب من سكان البلاد الأصليين لدولة جنوب أفريقيا ، تلك الدولة التي تعيش على أراضيها مختلف الأعراق والأديان وتتداول فيما بينها 11 لغة !!. بالإرادة والنية الصادقة والتسامح.. خرجت جنوب أفريقيا من النفق المظلم الذي ما زال الشعبان التونسي والمصري يتخبطان في متاهاته.
 والسؤال الذي يفرض نفسه هو لماذا نجح الأفارقة الجنوبيون في التخلص من إرث الماضي البغيض بسلاسة ويسر وبلا إراقة المزيد من الدماء، بينما بوادر الفشل وخيبة الأمل بدأت تلوح في الأفق عند الشعوب العربية التي تحررت حديثا من طغاتها؟ ربما يكمن السبب في اختلاف الثقافة ، إذ إن الشعوب العربية كانت محبطة ويائسة من إسقاط طغاتها ، ولم تحاول جادة التخلص منهم ،فاستمرأت بقاءهم على رأس السلطة، وترسخ في وعيها الجمعي ضرورة وجودهم، وعدم الاستغناء عنهم، فبهم وحدهم تستقيم الأمور، وتأمن السبل!.. فالطاغية عند الشعوب العربية أصبح يمثل ما يعرف بعلم الاجتماع (بالوحدة المركزية في الثقافة) التي تدخل في تشكيل البناء السيكولوجي للفرد منذ نعومة أظافره ، وتعمل على تحديد الاتجاهات والأنماط السلوكية لتلك الشعوب. لكن الشعب الجنوب أفريقي لم يكن يائسا من نيل حريته واستقلاله، فكان يعيش في تظاهرات واحتجاجات مستمرة يعبر من خلالها عن مطالبه وحقوقه المشروعة بصورة علنية ، ويزيح القناع عن الوجه البشع لنظام الفصل العنصري أمام الرأي العام، فضلا عن توفر القيادة الحكيمة المتمثلة برجل السلام نيلسون مانديلا . 
إن حالة الفوضى وفقدان التوازن هي السائدة الآن في الواقع التونسي والمصري ، وبتفاقم تلك الحالة المخيبة للآمال سيجد الناس أنفسهم ينظرون إلى الوراء، يتحسرون على طغاتهم برغم مساوئهم الكبيرة، أو يتمنون طاغية جديدا ،يدير أمور البلاد بقبضة من حديد ، وكما قيل ظالم غشوم خير من فتنة تدوم.

حجز الفنادق

استضافة المواقع و تسجيل النطاقات

إعلان

الوسوم:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

*