الثقافة والديمقراطية.. تزامن أم تعاقب؟ / بقلم : ثامر عباس

في مقال سابق تطرقنا من خلاله عن مدى إمكانية أن تكون الديمقراطية صالحة للتطبيق من عدمه في مجتمعات العالم المتخلف، تلك التي أسكرتها نشوة الإيديولوجيات الطوباوية، وجيشتها نبرة الخطابات الراديكالية لمرحلة ما بعد الاستقلال، حيث خلص الموضوع إلى نتيجة قد تكون أغضبت البعض واثارت امتعاض البعض الآخر، حيال طابعها المتشائم ونزعتها العدمية.. إلاّ أنها في واقع الحال – من وجهة نظري على الأقل – تكاد تلامس الحقيقة المطلقة وتوازي اليقين القاطع ومؤداها؛ ان الديمقراطية لكي تنجح في تلك المجتمعات وتحقق الغاية المنشودة منها، لا يكفي تضمين الدساتير المفبركة – مؤقتة كانت أم دائمية –  صيغة دبلوماسية مرائية مفادها؛ ان الدول الملتبسة التي تكونت تحت ظروف معقدة واستثنائية، تخلت عن جلبابها العسكري الليوثياني وباتت ترتدي الحلة المدنية المسالمة. كما لا يكفي مجرد الزعم بأن الأنظمة السياسية الفاسدة حدّ النخاع، التي تشكلت تبعا”لحاجات طارئة ومهام مصيرية، طلقت بالثلاث أساليب الحكم الطغيانية وهي الآن في طور الانفتاح على الآخر والحوار مع المختلف. مثلما لا يفي بالغرض الإقرار الساذج، الذي يروم الإيحاء بأن الحكومات (الوطنية) مئة بالمئة، أضحت تتشكل بموجب انتخابات دورية يقال أنها حرة ونزيهة، تجري وفقا”لوثيقة الدستور بحيث تظهر النتائج ان نسب الفوز فيها مطلقة. وأخيرا”- وليس آخرا بالطبع – لا تمثل أية قيمة تلك المظاهر المتمخضة عن انخراط الغالبية العظمى من (المواطنين)، المضللين والمنمطين و المجيشين، في التنظيمات الحزبية ذات الرنين الديمقراطي الزائف، للدلالة على ان المجتمع تخطى عتبة طفولته الحضارية وبلغ سنّ الرشد الثقافي. إنما لابد كضرورة مصيرية قصوى أن تكون كل تلك المعطيات والإجراءات، مسبوقة بمستوى معقول من تطور النظام الثقافي، وان تكون ممهدة بدرجة معتدلة من نضوج الوعي الاجتماعي. وإلاّ فان سياسات تطبيقها ( = الديمقراطية) على أرض الواقع، ستواجه بمعوقات لا قبل لها بها، حتى وان كانت الأنظمة المسيطرة جادة بسعيها الإصلاحي، وان إجراءات توطينها ستقابل بتسويف لم تعهد بمثله في السابق، حتى وان سلمت نية الأحزاب المهيمنة بتوجهها التنموي.
ان الإنسان في المجتمعات المتخلفة ولد وهو يرسف في مظاهر الجوع والخنوع، بحيث ارتشف مع حليب الرضاعة قيم العلاقات الصفرية والتراتبية الحديّة ؛ أما أن تكون الغالب دائما”، أو أن تكون المغلوب في مطلق الأحوال. أما أن تكون الأول في كل شيء، أو أن تكون الأخير دون أي شيء. أما أن تكون الأعلى وفوق الكل، أو أن تكون الأسفل وتحت الجميع. أما أن تكون الحاكم فتأمر وتطاع، أو أن تكون المحكوم فتمتثل وتنصاع. هذا في حين تم تعميده منذ نعومة أظفاره بجملة من الأوهام والأباطيل، التي طالما وفرت له القناعات والمسوغات ؛ بأنه من أرومة هذه القومية / الاثنية أو تلك، بدلا”من التأكيد على أولوية هويته الوطنية. وانه من أصول هذه القبلية / العشيرة أو تلك، بدلا”من التأكيد على أسبقية شخصيته الاجتماعية. وانه من سلالة هذا المذهب / الطائفة أو تلك، بدلا”من التأكيد على أحقية عقيدته الدينية.. وانه من منابت هذه المنطقة / الجهة أو تلك، بدلا”من التأكيد على أفضلية جغرافيته الشمولية. وانه من نتاج هذه الذاكرة / المتخيل أو تلك، بدلا”من التأكيد على أولية تاريخيته الجمعية.  وهو الأمر الذي أفضى – بالتكرار والتراكم – إلى أن يتقلص في تصوره المنمط مفهوم (الوطن الواحد)، إلى مجرد ولاءات بدائية متناثرة. ويختزل في ذهنه المعلب مفهوم (المجتمع الكلي)، إلى مجرد انتماءات تحتية مبعثرة. ويستحيل في عقله المشوش مفهوم (الوعي الاجتماعي)، إلى مجرد ثقافات فرعية.
ولأن واقع الشعوب المتخلفة كان ولا يزال قائماً على ديمومة الملابسات التاريخية، واستمرارية الصراعات الاجتماعية، وفاعلية الاحتقانات النفسية، وراهنية الانقسامات الثقافية، وتواتر التصدعات الجغرافية. فان (الأنا) فيها مبرمجة للتعامل مع (الأنت)، من باب التلصص والتربص وليس المهادنة، والمواطنة. وان (الذات) عندها مصممة للتعاطي مع (الآخر)، من منطلق التفاضل والتعالي وليس التكافل والتكامل.
وان (نحن) لديها مصاغة للتواصل مع (هم)، من منظور التنابذ والتباغض وليس التآصر والتآزر. وهكذا فقد تربى وتغذى على أن يتماهى مع كل ما يرمز إلى مظاهر القوة حتى وان كانت غاشمة، والسلطة حتى وان كانت ظالمة ومتعسفة، للحد الذي بدا له انه من طبيعة الأمور وشرعيتها في آن؛ ألا يغمط القوي فقط حقوق الضعيف وينتهك حرياته متى ما أراد ذلك فحسب، وإنما له الحق في ردع إرادته وقمع تطلعاته أيضا”. هذا بالإضافة إلى انه تواضع على قيمة اجتماعية استحالت بحكم التقادم إلى بديهية مؤداها ؛ ان من حق المسؤول أن يحظى بامتيازات الجاه والسلطان والنفوذ، بصرف النظر عما إذا كان جاهلا”أو قاتلا”، دون مراعاة حاجة المواطن البائس الذي ليس عليه سوى أن يرضى بالذل والمهانة، بصرف النظر عما إذا كان شخصا”صالحا”أو طالحا”. وعلى ذلك فحين تتاح الفرصة السياسية ويسنح الظرف التاريخي لمثل هذه الكائنات؛ المعبأة بالتهويمات الاقوامية / العنصرية، والمجيشة بالخرافات الطوائفية المذهبية، والمشحونة بالفزعات القبائلية / العشائرية، والمستقطبة بالحساسيات المناطقية / الجهوية، والمستنفرة بالتمايزات الذاكرية / المخيالية، لاعتلاء سدة السلطة والإمساك بأعنة الدولة والإدارة للشأن العام، عن طريق ما يعتقد انه ممارسة (ديمقراطية)، فان الأمر حين ذاك لا يعدو أن يكون تصفية حسابات جذرية ضد ؛ المجتمع لتقويضه، التاريخ لمسخه، والوطن لاستباحته، والجغرافيا لانتهاكها، والهوية لطمسها، والدين لاستغلاله، والقيم لإفسادها، والثقافة لتشويهها، فالذي كان يعاني وطأة التعسف السياسي سابقا”، سيرى ان له كامل الحق بالانتقام من كل من له علاقة بطغاة الأمس وخصوم اليوم، سواء كان عن طريق هضم حقوقهم وانتهاك حرياتهم واهانة كرامتهم، أو استباحة حياتهم واستئصال شأفتهم. كما ان الذي كانت الحاجة المادية تلسعه بسياط حرمانها فيما مضى، سيعتقد بان له كامل الحق باستباحة الثروات الوطنية ومصادرة المال العام لحسابه الشخصي أو الفئوي، بصرف النظر عن شرعية هذا التصرف ومشروعية تلك الممارسة، معتبرا”ذلك بمثابة تعويض عن الحرمان المزمن الذي عانى منه، والمظلومية التاريخية التي لحقت به. هذا بالإضافة إلى ان الذي كان يتوجس خيفة في الأيام الخوالي من الآخر ؛ القومي أو الديني أو الطائفي أو الحزبي، بات الآن – استنادا”إلى ديمقراطية الغابة – في حل من أي قانون أو عرف، يحول دونه والإزاحة لكل المخالفين في العقيدة، والإقصاء لكل المغايرين بالانتماء، والتصفية لكل المعارضين بالولاء.
وهكذا فكل شيء وأي شيء يغدو مباحا”للكل ومشاعا”للجميع، إذ ليس هناك ما يمنع المرء – حين يكون خالي الوفاض ثقافيا”وأخلاقيا”وإنسانيا”- من اللجوء إلى القتل المجاني بوازع من التفكير الديني أو الطائفي، أو الحض على السرقة العلنية بدافع من الشعور بالحرمان الاقتصادي والاجتماعي، أو التشجيع على الفساد المقنع بزعم التعويض القومي والتاريخي. مثلما ليس هناك ما يردعه من التخلي عن القانون بحجة التمتع بالحرية المباحة، أو التنصل من القيم بداعي التنعم بالتحرر المتاح، أو التمرد على النظام بادعاء الاستفادة من الديمقراطية المشاعة.
والحال انه لكي نبرهن على وجاهة هذه الفكرة ورجاحة منطقها، فلا بأس من الاستعانة بتجارب الآخرين في هذا المضمار.
فعلى صعيد الممارسات العالمية فان تجربة الاتحاد السوفيتي السابق قمينة بالمقارنة والمضاهاة، إذ ان التاريخ قد (خذل) على نحو قاس ومكلف (البلاشفة) الذين راهنوا على فرض الإجراءات الديمقراطية (بالتزامن) مع الشروع بالثورة الاشتراكية عام 1917 من جهة، في حين ( أنصف) من جهة أخرى، (المناشفة) الذين اتخذوا موقفا”مغايرا”حيال هذه المسألة، تمثل بضرورة إشاعة (الوعي) الديمقراطي ومجافاة (قيم) الاشتراكية، كأجراء مسبق للقيام بأية خطوات أو فعاليات ذات طابع سياسي، قد تفضي إلى وضع السلطة بيد جماعات هلامية تفتقر لأي مظهر من مظاهر الثقافة والوعي والانضباط. فهل يا ترى نتعظ بدروس التاريخ أم ترانا نتمسك بهلاوس الأساطير.

حجز الفنادق

الوسوم: ,

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

*