التمهيد لقانون التجنيد / بقلم : طارق رسن

يبدو إن الوقت لم يحن بعد لكي تفكر الحكومة العراقية بسن قانون للتجنيد الإلزامي، وهي محقة في ذلك، إذ إن الظروف الأمنية والسياسية التي يمر بها العراق اليوم غير مشجعة لإصدار مثل هكذا قانون خطير له عواقب وخيمة في حال فشله. كذلك لم تجرؤ الحكومة العراقية في عهد الملك فيصل الأول على إصدار القانون إلا بعد مرور أربعة عشر عاما على تشكيل النواة الأولى للجيش العراقي في السادس من كانون الثاني عام 1921 والمتمثلة بفوج الإمام موسى الكاظم الذي كان قائما على مبدأ التطوع.لكن هذا لا يعني إهمال قانون التجنيد الإلزامي والإعراض عنه تماما، وعدم التفكير بوسائل ملائمة، تمهد لإصداره في المستقبل القريب، لما له من أهمية بالغة في استقرار الدولة، وفرض سيادتها على كافة أراضيها. إن المؤسسة العسكرية إذا ما نأت بنفسها عن التدخل السياسي، وأديرت بمهنية عالية، تكون بمثابة البوتقة التي تنصهر فيها كل الهويات الفرعية التقليدية، طائفية، قومية، قبلية، لصالح الهوية الوطنية الكبرى، ووسيلة مثلى لإحداث عملية الاندماج الاجتماعي لمكونات وشرائح المجتمع المتنوعة، فضلا عن إن مهتمها لا تقتصر على الدفاع عن الوطن وحدوده من أي عدوان خارجي بل تتعدى إلى مهام كبيرة أخرى، خاصة في أوقات الكوارث الطبيعية كالفيضانات والزلازل.. وقد شاهدنا بالأمس القريب ما قام به الجيش الياباني من عمليات بطولية وإنسانية في إنقاذ وإغاثة المواطنين اليابانيين الذين تعرضت مدنهم لهزات أرضية عنيفة.
يبدو لي إن الطريقة الملائمة الممهدة لإصدار قانون التجنيد الإلزامي في الوقت الحاضر، تتمثل باستدعاء مواليد معينة لأداء
خدمة العلم ولفترة محددة بشرط أن يكون الالتحاق طوعيا بلا إكراه، وبذلك نكون قد أسهمنا في إنقاذ الآلاف من الشباب العراقي من براثن البطالة، ولم شملهم في معسكرات نموذجية يديرها أشخاص مهنيون يعملون على تدريب المجندين وفقا للسياقات العسكرية الحديثة المعمول بها
في دول العالم المتقدمة، ويؤسسون للقيم الايجابية الفاعلة في تنمية الشعور بالمواطنة والمساواة، من اجل إفشال كل المخططات الداخلية والخارجية التي تعمل على زرع روح الفتنة والكراهية بين أبناء الوطن الواحد، ولكي تتمكن المؤسسة العسكرية أن تلعب دورا فاعلا في المشاركة المثمرة في عملية بناء الدولة والمجتمع على أسس وطنية خالصة. سيصبح هؤلاء المجندون رديفا للجيش العراقي في تعزيز الأمن القومي، وسندا للشعب العراقي في الملمات، ومن خلال ضباطهم وآمريهم سيتم ترشيح المتميزين منهم للتطوع بصورة دائمة في صفوف الجيش بأصنافه المختلفة بعيدا عن المحسوبيات والواسطات. سيحظى هؤلاء المجندون بمكافأة نهاية الخدمة، ويكون لهم الأولوية في الحصول على فرص العمل في دوائر الدولة، وبعض الامتيازات الأخرى، بعد أن صقلت شخصياتهم، وهذبت أفكارهم، وأعدوا إعدادا جيدا لمواجهة أعباء الحياة، وتغلبت الهوية الوطنية فيهم على بقية الهويات الأخرى المعطلة لروح الانتماء الوطني. لا بد للجيش العراقي من احتياطي مؤهل من كافة الجوانب ليستند عليه في مهماته الملقاة على عاتقه، مثل بقية جيوش العالم، وفكرة الالتحاق الطوعي بخدمة العلم ربما تكون مناسبة لهذه الغاية في الوقت الحاضر، وممهدة لإصدار قانون التجنيد الإلزامي في المستقبل. فضلا عن إنها ستساهم في محو الصورة المشوهة التي ترسخت في أذهان العراقيين حول التجنيد والخدمة العسكرية، جراء سياسة النظام الدكتاتوري البعثي البائد، حينما كانت المؤسسة العسكرية تعمل على إذلال العراقيين وقهرهم، وسوقهم لمحارق الحروب بلا مبالاة، فالجيش آنذاك لم يكن إلا أداة طيعة بيد النظام، يديرها وفقا لرغباته ونزواته المجنونة، وآلة عسكرية ضخمة تستخدم لقمع الشعب، وحماية النظام وديمومته. إنها ليست دعوة أو وسيلة تهدف إلى عسكرة المجتمع، بقدر ما هي إحدى الوسائل التي من خلالها تحتضن الدولة أبناءها وترعاهم وتضعهم نصب أعينها، وتعدهم بصورة تنسجم مع المتغيرات التي حصلت في العراق الجديد. لقد قالها قدماء الصينيين، إذا زرعت لسنة، فازرع قمحا، وإذا زرعت لعشر سنوات، فازرع شجرا، وإذا زرعت لمائة سنة، فازرع رجالا.

مقالات طارق رسن

حجز الفنادق

الوسوم:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

*