التلاحم الوطني / بقلم : صادق كاظم

منذ سقوط النظام الدكتاتوري السابق في العام 2003 والعراق يتعرض الى امتحانات صعبة في مجال التلاحم الوطني من خلال مساعي بعض القوى المضادة للمشروع الوطني التلاحمي في العراق لضرب هذا التلاحم وتمرير أجنداتها المغرضة لجعل العراق أشبه بنسخة بلقانية أخرى في المنطقة. كان الإرهاب واحدا من الأذرع التي عملت تلك القوى المضادة على استخدامه من خلال تفجير وإشعال حرب طائفية تقوم على ضرب المقدسات واستهداف الرموز والشخصيات وبشكل متبادل وصولا إلى تسعير الأرض ومحاصرة السكان عبر مشاهد الاغتيال اليومي ورمي الجثث والاستهداف على أساس الهوية. لقد كانت الظروف التي أعقبت عملية تفجير ضريح الإمامين العسكريين (ع) في سامراء واحدة من الوسائل والمناخات التي حاول الإرهاب الاستفادة منها لتنفيذ مشروعه التقسيمي الإجرامي، ولكن أجواء التلاحم والتداخل بين مكونات الشعب العراقي وجذوره الضاربة في عمق النسيج الاجتماعي قوضت أركان هذا المخطط، بل تحولت إلى مشروع مضاد لمشروع قوى الإرهاب والتقسيم ونجحت في النهاية بمحاصرته وإخراجه حتى من الحواضن التي كان يراهن على إدامة بقائه فيها والتي خسرها من دون عودة. لم تكف الأيدي العابثة عن مخططاتها المتواصلة بضرب الوحدة الوطنية عبر استعارة الأدوات والمخططات والمناهج نفسها ولكن بتوقيتات مختلفة عبر انتقاء شخصيات وأماكن وتوجيه عمليات إرهابية ضدها مع عمليات شحن وتحريض إعلامي ترغب في تأجيج الشارع وجذبه إلى خنادق متقابلة يخفي اصحابها بنادقهم وسكاكينهم تحت ثيابهم. مشهد الأرصفة المتورمة بجثث الضحايا المختطفين والمقتولين على الهوية الذي فجعنا به خلال سنوات التصعيد الارهابي الطائفي في الماضي لا يتمنى جميع العراقيين عودته، فدروس الماضي المؤلمة بكل تداعياتها جعلت العراقيين اكثر وعيا بمخاطرها وحرصا على عدم الوقوع في فخاخها. الوعي بأهمية التلاحم الوطني هو من جعل العراقيين جميعا يتوحدون بمواجهة ارهاب “داعش” التي ارادت انتاج سيناريو الانقسام الطائفي والمذهبي في العراق لكي يتسنى لها تحقيق اهدافها بإقامة دولتها الظلامية المنحرفة، وهي من يقف بكل تأكيد ووضوح وراء اعمال استهداف المكونات والمناطق العراقية المختلفة بأعمال التفخيخ والتفجير من اجل اشعال الحرب الطائفية وضرب النسيج الوطني العراقي في العمق وجر المكونات نحو الحروب والقتال والتدمير والخراب. بيانات ادانة الارهاب وأعماله والتنديد بجرائمه ليست وحدها كافية لتحصين المجتمع العراقي من شرور الطائفية والارهاب ما لم تصاحبها فعاليات وبرامج وسلوكيات وثقافات تعزز من مفهوم التلاحم الوطني وترسخه بشكل عميق في داخل الفرد العراقي، فضلا عن ادوات وارضيات قانونية وسياسية تذهب باتجاه بناء دولة القانون والمؤسسات التي تكون الخيمة التي ينضوي تحت ظلها جميع المواطنين العراقيين. لا شك ان هنالك أمورا عديدة تعيق مخططات الارهاب هذه مثل تسريع عملية الانتقال نحو بناء الدولة المدنية الحديثة وتعزيز آليات الديمقراطية والتداول السلمي للسلطة ومفاهيم الهوية والانتماء الوطني كبديل حقيقي عن الهويات والانتماءات الثانوية الاخرى وتقديم تعريف حضاري وسلوكي لها. العودة الى الخنادق الطائفية وايام الانقسام والخراب كما يتمنى اصحاب الفكر الداعشي الارهابي التكفيري ستعني التضحية بالعراق كدولة وككيان وستعني المزيد من الخراب والدمار والتشرد، ولا شك ان عملية قطع طريق العودة على هذا المشروع لا تتوقف على الوسائل الكلاسيكية من خطابات ومبادرات لا تتعدى اروقة مكان انعقاد الندوات والمؤتمرات من دون نزول حقيقي الى الشارع والتماس معه. ان عملية التوجه نحو مفهوم البناء العصري للدولة وتحديث المجتمعات وتعميق مفاهيم الشراكة والتلاحم هي عملية تحتاج الى وقت طويل والى جهود جبارة والى اجهزة سياسية وامنية كفوءة ومتطورة تؤمن بهذا المشروع ويعمل افرادها على تطبيقه بأمانة ونزاهة، كما تحتاج الى طبقة سياسية تسعى لتحقيق هذا المطلب عبر سلوكيات متقدمة تبتكر الوسائل التي تمضي بعملية بناء العراق وتعزيز استقلاله وسيادته، وتحتاج ايضا الى سلوكيات تتجنب الاثارة الاعلامية والقطيعة والتحريض على الآخر وتقدم المشاريع القانونية وتمهد لأرضيات التلاقي بين المكونات وتحترم خصوصيات وثقافات الآخر وترفض منهج العنف والارهاب والتطرف. لم نتمكن منذ العام 2003 من اجتياز المضيق الخانق من مشاكل سياسية متوارثة منذ عهد النظام الدكتاتوري المباد، اضافة الى مشكلة الارهاب والانطلاق صوب مشروع يؤسس لبناء دولة مستقرة تتجاوز تلك الاشكالات عبر تفاهمات تتخطى المصالح الحزبية والفئوية والطائفية الضيقة وتنظر الى المصلحة العليا للبلاد من خلال منظومة الممارسات والمناهج الديمقراطية. قد تقف التركيبة الاجتماعية والدينية للعراق عائقا امام اي تطور وتقدم في السير نحو هذا المشروع بسبب غياب عوامل التحديث والتطور الاجتماعي التي لم يتسن للمجتمع العيش في ربيعها نتيجة لسنوات الحروب والقمع التي استهلكت سنوات طويلة من تاريخنا، فضلا عما تركته تلك الظروف والأحداث من تأثيرات سلبية أدت إلى ترييف منتظم للمجتمع العراقي وتراجع لمعايير الحضارة والمدنية التي تزدهر في ظلها عمليات التغيير والتحديث والتي من ضمنها التلاحم الوطني والتمسك بالهوية الوطنية كإطار جامع لمكونات البلاد. وفي ظل تلك الخلافات السياسية والتجاذبات الاعلامية يتعرض الحشد الشعبي الى حملة اتهامات منظمة مقصودة تحاول الصاق بعض الخروقات الامنية التي تحدث في عدد من المناطق بأفراده وعناصره في خطوة يراد بها تشويه صورة هذه القوات ودورها المشرف في تحرير المناطق المحتلة من دنس عصابات “داعش”، وبالتأكيد فان الذين يقفون وراء هذه الحملة لا يرغبون بوجود قوة وطنية تحمي البلاد الى جانب القوات المسلحة وهم يتعاملون معها من معيار طائفي رغم ان الحوادث التي جرى اتهام الحشد الشعبي بها هي من فعل افراد لا ينتمون الى الحشد وقسم من تلك الحوادث يعود لأعمال انتقامية طالت اسر وعوائل أفراد عراقيين ينتمون الى “داعش” قام بها مواطنون من سكان المناطق المحتلة نفسها ردا على ما قاموا به من جرائم بحقهم كما أكدت ذلك تحقيقات وزارة الداخلية وجهات محايدة اخرى. الحديث عن الوحدة الوطنية وترصين الجبهات الداخلية والوقوف في الصف الواحد لمواجهة تحديات الإرهاب وعملية بناء الدولة بأطر صحيحة لن يأخذ مساره الصحيح من التحول من حيزه النظري إلى الجانب الفعلي والذي يحتاج إلى إرادة حقيقية من قبل الطبقة السياسية التي تقود عملية التغيير في البلاد والى تمسك من قبل فئات المجتمع العراقي عبر نبذ الخطابات الطائفية التقسيمية المتعصبة وثقافة متجذرة تقوم على التعايش مع الآخر المختلف مذهبيا ودينيا واحترام ثوابت تلك المذاهب والأديان وعدم المساس بمقدساتها ورموزها وابراز الجوانب المشتركة الايجابية وفق مبدئية إخوة الدين والإنسانية . في عشرينيات القرن الماضي وبعد ان اكمل البريطانيون احتلالهم للعراق توحد العراقيون جميعا بمختلف طوائفهم ومذاهبهم لصياغة مشروع صناعة دولة مستقلة تنهي الانتداب البريطاني وتحول دون بقاء العراق مجرد مستعمرة تابعة لبريطانيا، وآنذاك نجح العراقيون في تأسيس الدولة بعد تضحيات ومعارك وعمليات سجن ومطاردة وتشريد للأحزاب والشخصيات الوطنية، فهل سينجح الساسة الحاليون في اعادة مشروع العام 1921 الذي تجاوز اسوار الطائفية والقومية بشكل معاصر يجذب الجميع اليه, ام ستبقى الشكوك وسقوف المطالب المرتفعة وعمليات التخوين اسوارا تحول دون ان يصل العراقيون الى مبتغاهم النهائي في دولة آمنة ومستقرة؟

حجز الفنادق

استضافة المواقع و تسجيل النطاقات

إعلان

الوسوم:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

*