التقنية اللاإنسانية / بقلم : طالب شريف آل طاهر

قد يرتبط مفهوم ثقافة العصر بشكل أو بآخر بتنوع وظائف التقنية الحديثة ، لكونها غرست في البشرية روحا منفتحة إلى الأشياء، الحياة، النواميس او لصلة هذا التنوع بمساحة التنامي في الحس الإنساني الذي أودعته التكنولوجيا داخل المجتمعات، والعلاقة بهذا التوصيف تعبر ايضا عن الصيرورة الحقيقية لنزعة التأمل والتجديد الملازمة لحركة عقارب الزمن

فجاء التغيير في نمط الحياة ونمو المجد الحضاري في مجال التكنولوجيا الحميدة منطقيا ومشيرا في نفس الوقت الى وعي عميق وجهود فكرية خلاقة استطاعت لي ذراع الطبيعة وتطويعها لتلبية الحاجات الحياتية لإنسان العصر الحديث، وهكذا انطلقت مسيرة التقنية الحديثة من وحي الإيمان بقيم الحياة وطرح الرؤية المثالية في الطبيعة البشرية 00 ولكن في خضم التطور وتزايد التعقيد في المتطلبات وللتوسع الهائل في حقول البحث العلمي ، تعددت منافذ الصناعة وانحرفت أهدافها العلمية الى اتجاهين  متناقضين، اتسم احدهما بالانجازات والابتكارات العلمية ذات المنفعة المباشرة للأفراد على وجه المعمورة فذللت بذلك الكثير من مصاعب الحياة ، بينما اختبأت في ثنايا طموحات العقول المولعة بثقافة الشر وصور الخراب التي يغذيها الفكر السياسي المتنكر للحياة لدى الدول السائرة معصوبة العينين نحو رائحة الحروب وصناعة الأسلحة التي ابتدأت بالتقليدية ولم تنته بذات الدمار الشامل ، في هذه الحالة توارت مصائر الموت الأسود والنهاية المجهولة لأفق العيش لجميع الإحياء كما تتحدث أسلحتها المدمرة ذات التاريخ البشع في ذاكرة الإنسانية عن تلك النهاية التي  تنتظر البشرية إذا ما اقترنت التصورات بما يؤل إليه تأثير الاحتباس الحراري على البيئات الحياتية. وعليه فان ثورة العلم التي ربطت كفاءتها بمقدار الكم في جني الأرواح البريئة ، قد نأت ان لم تكن قد تخلت عن حلمها الحضاري القائم على تشييد كوكب الأرض بألوان المحبة والسلام ، وانحدرت صوب الأفكار الشيطانية التي أسست إلى مفهوم التناسل في الصناعات التدميرية والتي لا تلوذ وراءها إلا نوايا هلاك أو تفكيك أركان البشرية القائمة على مبدأ السلم والتعايش ، وما شعارات السلام التي ترتفع هنا وهناك إلا حجبا تمتص قرقعة شحذ آلات الموت ، لذا يتعين الإمعان بمأساة الإنسانية ودراسة أسلوب المتاجرة بالحياة الذي فرض الموت ككيان مؤثر  في توجيه دفة الحياة ، لما له من حيز ذي شرعية مستمدة من المفاهيم العريضة التي تصنف الشعوب إلى طبقات وعوالم ، تساعد على استقواء بعضها على البعض الآخر ، فأصبح مفهوم الصراع يشغل مساحة في ذهن الفرد توازي مساحة تحرك المنظومة الإنسانية الساعية إلى صنع الحياة ليتولد بالضرورة لون ثقافي تمتزج فيه عناصر الموت والحياة في مقدار واحد ، وحضور ذلك يبدو جليا في في بعض الإعمال الفنية التي تجسد الموت الجماعي عنصرا من عناصر النجاح او التشويق فيها دون وجل او توجس من الانعكاسات النفسية والمستقبلية لذلك، هذا الاستخفاف بقدسية الأرواح يثير تساؤلات عقيمة عمن يحمي الإنسانية وربما تبدو التساؤلات مبهمة طالما يشق على المحاربين ائتمان العلماء على إنسانية الأرض ، ويتوقع أن تتكدّر طبيعة الحياة أكثر مع ازدياد سلطة التكنولوجيا أللا إنسانية على طبيعة الحياة وقد تكون  ظواهر تفشي أمراض بعض الحيوانات هذه الأيام من بناة أفكار الاقتصاديين في تسخير العلم لمعالجة تداعيات الكساد الاقتصادي لبعض الدول، ولربما تبعث التكنولوجيا النووية في تطورها المتزايد القلق المشوب باليأس والذعر ما لم تتغلب لغة العقل على ماكينة الصناعة الحربية وتحويل وجهتها المنحرفة نحو تقنية مدنية تؤمن مستقبل الحياة.

فالقراءة الدارجة على إن المتغيرات الحياتية لها الوقع المباشر في توجيه حركة الإنسان لا تنسجم ، على موضوعيتها ،  والإرث الحضاري الثر الذي شيدته البشرية في مجال العلم والإبداع في وقت مبكر ، إذ سارت ماكينة الحياة بلمسات روحية كشفت أن العاطفة الإنسانية ذات طاقة وجدانية هائلة تؤثر في الجانب المادي من الحياة، كقدر يمتد بالأمل ، فاستطاع الإنسان تجسيد ذلك الأمل بصور من الجمال الأدبي والفني ، ولم يؤشر التاريخ نزعة الفناء الجماعي بين الناس أو عجز القيم الإنسانية من مواكبة مستجدات الحياة إلا مع الموت ،  ومن هنا نعتقد بأن التقنية الحديثة إذا ما استمرت باتجاهيها الحاليين ستعجز في أن تحمل ذلك القدر من الطمأنينة إلى قلوب الآخرين ، وستبقى التقنية الحديثة والروح الإنسانية المرهفة محور الصراع الحقيقي للحس الإنساني ومدى استقطاب كل منهما للإنسان بمقدار حاجته التي يجب ان لا تطغى على مقدرات الطبيعة البشرية.

حجز الفنادق

الوسوم: , , ,

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

*