التفويض والخريف ( نوزاد حسن

يوم السبت الماضي ثالث يوم من ايام العيد كنت أسير وحيدا في «الحيدرخانة». في هذه المنطقة وبالقرب من جامعها الذي انسلخت الزخارف الملونة عن قبته كما ينسلخ جلد افعى عن لحمها.. كنت افكر بمعنى التفويض الذي تحدث عنه السيد رئيس الوزراء حين اشار الى انه لا يرى تفويضا بمعنى الكلمة, بل يرى مطالب يتناقض بعضها مع البعض الآخر, ومع ذلك فهو يحترم التفويض في النهاية. قال هذا الكلام بابتسامة غير سياسية والكل يعرف معنى الابتسامة السياسية التي تخترق القلب كسهم
مسموم.
وفي الحقيقة اثار هذا الكلام الكثيرين, ومنهم قناة «البغدادية» لأن الجميع اكتشفوا ان المطالب التي خرج المتظاهرون من اجلها انما كانت مطالب شرعية سيتفهمها رئيس الوزراء على الفور. كان المتظاهرون ينتقدون بقسوة اكثر اعضاء الحكومة, الشخص الوحيد الذي كانوا ينظرون اليه بإكبار واحترام شديد كان السيد العبادي.
إن كل من شارك في الجمعة الاولى والثانية, ومن شارك في المظاهرة التي خرجت تأييدا للعبادي بعد إلغاء مناصب نواب رئاستي الجمهورية والوزراء، سيعرف قصة التفويض كاملة. اقول هذا بثقة كبيرة.
نعم للتفويض قصة كاملة لا بد من الحديث عنها، واذا اردت ان اختصر اكثر اقول: ان للتفويض ظاهرا
وباطنا.
ظاهر التفويض هو طلب المتظاهرين المباشر من رئيس وزرائهم للقيام بالاصلاحات. وكانت المرجعية سببا في اقامة جسر للثقة معه. كما ان حماية القوات الامنية للمظاهرات وعدم التعرض لأحد كان عاملا مهما في تقديم العبادي كسياسي مختلف عن
الجميع.
وقد احس البعض من اعضاء الحكومة بهذا الامتياز فتحدثوا بنبرة حسد احيانا او انبهار من تقلب التاريخ بين الامس القريب واليوم في احيان اخرى.
كان ظاهر التفويض مطالب معينة، اما الباطن فقد كان ذلك الحب والتقدير الذي لمسته وشاهدته في اوجه الجميع في ساحة التحرير. هاتان الجمعتان اللتان تعبران عن حب لم يعرفه العراقيون منذ عقود كانتا اجمل جمعتين في تاريخ التغيير على
الاطلاق.
كما ان ذلك اليوم اليتيم يوم الغاء المناصب كان لحظة رائعة صرخ بعدها المتظاهرون بهتاف يقول «بص شوف العبادي بيعمل
ايه».
حدث كل ذلك بانفعال، فقد احس الجميع ان رئيس الوزراء يتجاوب معهم وجدانيا, وهذا الشيء نادر الوقوع في تاريخ السياسة عندنا. ومن هنا بدأ عقد سياسي جديد مع العبادي شرطه الاول الحب الذي لا مكان له في السياسة.
لقد صارت المطالب وتنفيذها اعترافا من قبل رئيس الوزراء بتعاطفه القلبي مع المتظاهرين. لذا بدا شيء من العتاب يوجه للسيد رئيس الوزراء بأنه بطيء في انجاز الاصلاحات، وقد انتقده البعض بقسوة لأنهم لم يروا اية نتائج على ارض الواقع. وفي السياسة لا يقع الاصلاح برشاقة زلزال كما نتمنى
جميعا.
فكرت في كل ذلك وانا انظر الى قبة جامع الحيدرخانة, وألقيت نظرة عابرة الى مقهى حسن عجمي. في الخريف اترك نفسي لحياد بوذي مسالم لكن التفويض شغلني هذه المرة.

حجز الفنادق

استضافة المواقع و تسجيل النطاقات

إعلان

الوسوم:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

*