التطرف والإرهاب أو الانتحار السياسي!! / بقلم : كريم عبد

ما هي ثقافة أولئك الشباب الذين يبتهجون لحمل السلاح تحت راية التطرف جاعلين المواطنين يعيشون تحت حالة من الرعب القاتل، مهددين الوضع السياسي والنظام الديمقراطي الذي بالكاد ينتهي من عثرة ليتفاجأ بأخرى؟ ثم ما هي المصلحة الوطنية التي تجعل قياداتهم ترمي بهم إلى التهلكة؟ هل كان التطرف يوماً دواءً لأية أزمة في العراق أو سواه؟ الجواب بالنفي طبعاً. فلماذا هذه العدمية السياسية إذن، وما هي عواقبها؟

حجز الفنادق

استضافة المواقع و تسجيل النطاقات

إعلان

واستطراداً، ما هي ثقافة أولئك الأفراد الذين يفخخون أنفسهم ويفجرونها في الأسواق والمساجد ودوائر الدولة ليقتلوا ويجرحوا المئات في كل مرة ؟! أنها شخصيات مضطربة مأزومة، أو مثقلة بالشعور بالذنب بسبب سوء التربية و التدين المتخلف حيث تنقلب صورة الإسلام دين الرحمة والمحبة، في مرايا عقولهم المقعرة إلى مجرد رعب من العقاب الإلهي !! فيحدث أن يتلقفهم دعاة الإرهاب فتتم تربيتهم على مبادئ (القاعدة) المعروفة لينخرطوا في الأعمال الجهنمية، مبادىء ومقولات لا تصمد أمام النقاش الموضوعي على غرار (الرعب الناتج عن هذه الأعمال سيهز الجماهير كي ترى الحقيقة) !! و (كل من يشارك في البرلمان أو له علاقة بالانتخابات فهو رافض للقرآن جملة وتفصيلاً، وكل مسلم يرفض القرآن يجب قتله)!! هذه هي خلاصة ثقافة التكفيريين التي يبررون بها إرهابهم !!
إن الأفكار العدمية التدميرية التي بشر بها أيمن الظواهري من سجنه بالقاهرة قبيل أطلاق سراحه في الثمانينات، في مشهد استعراضي نقلته التلفزيونات وقتها، وتعيده بعض الفضائيات العربية بمناسبة وبدونها، تلك الأفكار المتطرفة التي تدعو لإباحة دماء المواطنين، وإشاعة أجواء الرعب بينهم ( كي يستيقظوا من غفلتهم ويروا ما هم فيه من خراب وأزمة ) !! هي من نتاج خراب بعض العقول التي اختنقت بأزمة الواقع ذاته فعجزت عن تحليل ظواهره وفهم منشأها وإمكانية تغييرها. وتلك الأفكار لم تكن جديدة ولا من صناعة الظواهري أو غيره من أقطاب التطرف، بل سبق وأن صاغها النازي الأشهر أدولف هتلر عندما قال ( مقتل إنسان واحد هو مأساة ومقتل مليون إنسان مجرد أحصائية ) ليجسد الفظاظة بأبشع صورها.
ومن أجل ماذا ؟! من أجل (القائد)! (المنقذ التاريخي)! الذي، وأيضاً حسب الهتلرية (يجب أن لا يهتم لما يحل بالبشر العاديين من كوارث خلال الحروب)! لأن أجواء الرعب هذه التي تضعضع إنسانية البشر هي ما يخلق عندهم استعدادَ التحول إلى ( قطيع ) تسهل قيادته وتوجيهه الوجهة التي يريدها القائد !!
هذه هي الأفكار النازية التي يجترها الأرهابيون الآن دون أن ينتبهوا بأنها نقيض الإسلام ومبادئه المعروفة، لكنهم يجترونها طالما وجدوا مزيداً من الشباب المصابين بالتطرف وعمى البصيرة والمختنقين بأزماتهم الشخصية وربما الأزمات العامة أيضاً، دون أن يُدركوا إن أزمات كهذه لا يمكن أن تحال أسبابها على شخص معين أو حزب او جماعة، كي ندعو للقضاء عليها حتى تنتهي الأزمة!!
لأسباب شتى لا يستطيع المتطرفون أن يُدركوا أن الأزمات التي تطغي على الحياة السياسية في كل عصر هي نتاج معطيات وتراكمات تاريخية تتداخل مع بعضها فتشكل نسقاً سياسياً معيناً يحتاج مزيداً من الوقت لتفكيكه والتخفف من شوائبه كما حدث للعديد من الشعوب التي عاشت ما نعيشه الآن من أزمات، حيث دفعت أثماناً باهضة إلى أن تمكنت بالتدريج أن تتخفف منه لتدخل عالم التمدن والتطور لتتصدر واجهة العالم المعاصر. ولو تأملنا النسق الحضاري السائد الآن في أوربا وهو يتطور بأقل ما يمكن من أزمات، نرى أيضاً أستحالة بزوغ ظاهرة هتلر في ألمانيا الحالية، بسبب عدم وجود عوامل لإنتاج هكذا ظاهرة، فهتلر كظاهرة ليس من صناعة هتلر ذاته، بل من صناعة النسق الأوربي الذي سيطرت عليه ثقافة الحروب المتبادلة والمفاهيم المشوهة للهزيمة والانتصار التي أنتجت (أبطالاً) مشوهين على غرار هتلر وموسوليني وستالين. مشوهون لأن الإنسان لا يمكن أن يكون مجرماً وبطلاً في نفس الوقت.
لكن المتطرفين عندنا لا يختلفون عن أشباههم في المناطق الأخرى، حيث القاسم المشترك دائماً هو عمى البصيرة وغياب الحكمة، خاصة تلك التي تقول: الذكي من اتعظ بأخطاء غيره، أو بأخطاء غيره من الأبطال المزيفين؟! لكن منطق المتطرفين غير قابل للنقاش حتى وهم يرونه يأكلهم الواحد تلو الآخر دافعاً بهم إلى عزلة خانقة يعرفون هم معاناتها ووحشتها أكثر من سواهم. أنها العدمية التي لا تنتهي إلا بنهاية أصحابها.
ولنتساءل: ما هي العدمية السياسية، وما هي العوامل أو الجهات التي تقف وراء ترويجها؟ ومن المستفيد من هذا الإرهاب حقاً؟ كي نعرف الجواب علينا تأمل وضع (القاعدة) في العراق أو المغرب أو السعودية ونتائج ما تفعله هنا وهناك.
لم تاتِ القاعدة بمعجزة في عملية اختراقها للوضع العراقي. هناك عاملان سهلا هذا الاختراق، الأول هو تعفن الثقافة النازية لنظام البعث ونقاط الضعف العديدة التي كانت تعانيها مؤسساته الأيديولوجية، افلاس الشعارات القومية مثلاً، ثم تدهور مكانة المؤسسات العسكرية والأمنية، أي تحول الدولة إلى سلطة طوارئ أحلت ثقافة المخابرات محل ما عداها، خاصة بعد حرب الخليج الثانية، حيث خراب علاقتها بالمجتمع من جهة والتهديد الخارجي المتزايد من جهة أخرى.
هذا ما دفع بصدام حسين للبحث عن بديل لايديولوجية البعث المتعفنة، فكانت (الحملة الإيمانية)! وما عنته حينها من تغيير في أساليب وحقول العمل الدعائي. وكل ذلك لم ينفع سلطة صدام بقدر ما خلق مناخاً ملائماً لدخول (القاعدة) لاحقاً واستثماره سياسياً لمصلحة مشروعها التعموي (من العمى السياسي) وتبرير العدمية. والعامل الثاني هو فتح قوات التحالف الدولي أبواب العراق لفلول القاعدة بحل قوات الحدود وفق (نظرية صحن العسل) كي يتجمع حوله الذباب ليسهل القضاء عليه، حيث ظل الرئيس جورج بوش يُطمئن شعبه بالقول: (إننا نقاتل أعداءنا الأرهابيين الآن ولكن خارج حدود بلادنا) وتلك النظرية لم تثبت (الذكاء المفرط) لإدارة بوش ناهيك عن التبرير الأخلاقي الذي يسمح بتحويل مجتمع مثقل بالجراح وبدون دولة تقريباً، كالمجتمع العراقي إلى ضحية سهلة لتلك الفلول الإرهابية! وبالمقابل لم تثبت فلول القاعدة ذكاءً إلا بترتيب المزيد من المجازر لآلاف المدنيين من العراقيين العزل. إنه ذكاء المجرمين ليس إلا.
أما في المغرب أو السعودية فالأمر مختلف تماماً، حيث لا وجود لاحتكاكات طائفية من النوع الذي يمكن استثماره سياسياً، بينما أجهزة الدولة في كامل عدتها وعديدها بما لا يبرر أية مقارنة بينها وبين فلول القاعدة. أجهزة الدولة لا تتمتع بالقوة التنظيمية والمادية فقط، بل هي أيضاً تملك حق و مبررات الدفاع عن أمن المجتمع ومصالح المواطنين، أي على العكس تماماً من فلول القاعدة. لكن عدمية هذه الفلول التي لا تملك سوى ثقافة التكفير وإرادة الانتحار، لا تقف عند هذا الحد، بل هي تتمتع بغباء سياسي مفرط يتمثل أساساً بفقدان المعايير الموضوعية في فهم نقاط القوة والضعف عند الطرف المقابل، وهو الدولة السعودية أو المغربية هنا، لأن أي مشروع سياسي، إذا افترضنا إن القاعدة تمتلك (مشروعاً سياسياً)، لا يمكن أن يتحرك بدون تحديد هذه المعايير.
لقد استغلت القاعدة فترة الجهاد في أفغانستان لاستغلال مشاعر الشباب المتحمس، وتحميل المفاهيم الدينية شعارات سياسية مغرقة في طوباويتها وعدميتها، لذلك نسيت نقاط قوة الطرف الآخر. نسيت أن هناك دولة ومؤسسات وأجهزة لها سطوتها وقدرتها على الحركة والفعل المؤثرين. دولة هي بمثابة محور سياسي رئيسي في المعادلة الأقليمية، ترتبط بها مصالح مباشرة لمختلف دول المنطقة حيث التنسيق السياسي والأمني يعتبر تحصيل حاصل في مثل هذه الحالة.
دولة لها تأثير متزايد في المجتمع الدولي وهو يتطور مع تطور مؤسساتها وبنيتها التحتية ودورة المال والاقتصاد.
فكيف يمكن اختراق كل هذه الحواجز للوصول إلى الهدف ؟! ثم من يقف بالمقابل مع فلول القاعدة ؟! من يجد مصلحته في ثقافة التكفير وإرادة الانتحار التي تناقض السوية الإنسانية للأسلام والمسلمين، ناهيك عن المصالح السياسية والاقتصادية أساس كل تجاذب في علاقات الدول مع بعضها وفي علاقة المجتمع بالدولة.
أن التغافل عن كل هذه الحقائق هو ما قصدناه بالعدمية السياسية. لماذا إذن الأصرار على الخوض في أوحال الهزيمة ؟! لأن هذه الفلول محكومة بثقافة التكفير، أي العجز عن أي تفكير مجدٍ، لذلك استعبدتها جرثومة الانتحار المعبرة عن هذه الثقافة تماماً، فهي لا تملك سوى الأنحدار إلى الهاوية كتعبير عن هويتها التكفيرية، وعن انتمائها إلى نسق تفكير منقرض أصلاً.
والآن لنتساءل: من هو صاحب المصلحة في محاولة تفتيت بلد عربي كالعراق واشاعة أجواء الحرب الطائفية فيه، وما يحمله ذلك من مخاطر حقيقية على دول المنطقة ومصالح شعوبها؟ ومن المستفيد من محاولات زعزعة الاستقرار في المملكة المغربية أو العربية السعودية حيث يستفيد من تطورها الاقتصادي مختلف البلدان العربية ناهيك عن ملايين المواطنين العرب العاملين فيها أو المتعاملين معها في شتى المجالات؟ واستطراداً من المستفيد من زعزعة الاستقرار وضرب السياحة في المغرب والأردن ومصر ؟!
إن الإجابة الواقعية والمنطقية على هذه الأسئلة أصبحت ضرورية الآن أكثر من أي وقت مضى، لأنها هي التي تجعلنا نتوقع من الذي يعمل من خلف الكواليس، وتدلنا على الأصابع الخفية التي تحرك وتوجه فلول الارهاب وتستثمر عدميتهم السياسية المخزية.

الوسوم: ,

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

*