التاريخ الثقافي والتاريخ السياسي ( كريم عبد

كيف تتطور لغة المثقف المعاصر وتتجدد رؤاه ؟! أي ماهي العوامل التي تؤدي إلى هذا التطور في لغة الأدب ؟! ولأن الأدب الإنساني واحدٌ من حيث الجوهر، نستطيع أن نتساءل أيضاً: لماذا لم يستطع الأدب الحديث عموماً أن يُنتج نصوصاً تضاهي القمم الكلاسيكية المعروفة؟! لنبدأ من السؤال الأخير، لنجد أن الأدب الكلاسيكي، بدءاً بملحمة كلكامش مروراً بهوميروس وفرجيل وليس إنتهاءً بديستويفسكي، هو أدب الجماعات المتصادمة أو تلك التي شردتها الحروب فصارت تبحث عن مكان وهوية جديدة، أو تلك الأرواح الهائمة المتصادمة مع نوازعها الداخلية، والتي تبحث عن معنى لوجودها. أنه أدب الأسئلة الكبيرة لذلك إتخذ طابعاً ملحمياً ولذلك أصبح خالداً. وكل هذا كان يستدعي موقفاً مسؤولاً مشاركاً من قِبل الكاتب نفسه، موقفاً عملياً يقترن بدفع ثمن عادةً، حتى لتبدو الأحداث وكأنها هي التي تصنع الكاتب بقدر ما هو يصنعها، ففي الغالب ليس بوسعنا أن نفصل تجربة الكاتب عن الأحداث التي كتب عنها، وأحياناً يَصعب فهم النص من دون فهم الخلفية التاريخية التي يستند إليها. في خضم التجربة الإنسانية ومفارقاتها ومخاطرها، يكتشف المثقف لغته وعوالمه الداخلية ليتجدد خياله ورؤاه في هذا الخضم. وكل هذا يحدث عبر قيم ومفاهيم شارك المثقفُ الجماعةَ في انتاجها والإيمان بها والدفاع عنها، وهنا يكمن معنى قول نقاد الأدب الكلاسيكي:(إن الألياذة تعلمنا القيم أكثر مما تفعل جميع الفلسفات النظرية) ففي هذا العمل الملحمي الخالد تتجسد طريقة حياة المجتمع عبر عصر برمته، أي مفاهيمه وقيمه التي تُحدد مصير الأفراد ومستقبل الجماعة، حيث بوسعنا أن نكتشف أيضاً، إن في عصر هوميروس كانت اللغة ماتزال بكراً، والأسئلة الإنسانية تُجدِّدَها اندفاعات الحياة ومشقّات التجربة وطموحات الإنسان التي لا تنتهي أبداً، تجددها في مواجهة المجتمع لنفسه، ومواجهة اللغة ذاتها وإمتحان الثقافة التي تقف وراءها، ومن كل هذا وسواه تتشكل الخبرة الإنسانية التي تساهم في تحديد القيم والمفاهيم. كان عقلُ الكاتبِ وخيالُهُ حُرَّين، وهما مختبر لكل تلك التجارب. فقد واجه المبدع والمفكر إنقلابات التجربة الإنسانية ومفارقاتها من حيث كان يواجه حيرته هو إزاء كل ما يحدث. كان الأدب أدباً والفكر فكراً والسياسة سياسةً والحرب حرباً، كانت ثمة ثقافة وقيم ثقافية يخضع لها قرار الحاكم وسلطته، الحاكم الذي يخجل من الكذب على مواطنيه، بل يطمح أن يكون فارساً كي يبرّرَ نفسه أمام نفسه وأمام الآخرين، وعليه كان لا بد له من ثقافة وقيم إلى جانب الشجاعة والسيف وإلا أصبح أحمقَ أو تابعاً لمن هو أكثر منه حكمة وقوة.  كان هذا أيضاً، هو شرط وجود المبدع والمفكر كي يكون لائقاً وجديراً بالفروسية، فروسية المفكرين والمبدعين، فالفروسية هي القاسم المشترك بين السياسي والمثقف،  كي يكون كل منهما لائقاً وجديراً بعصره. لم تكن وقتذاك ثمة مؤسسات وشروط وممولين، بل كان المفكر والمبدع هو المؤسسة وهو المرجع حتى لو اضطر أن يعتمد على جهة ما أحياناً.  ومقابل ذلك، كان على الحاكم والفارس والمجتمع أن يحترموا شروط المفكر والمبدع أو شروط ثقافته ومعناها وتأثيرها حتى لو اختار العزلة أو الهامش، بل حتى عندما يتعرض للاضطهاد أو قسوة الظروف، فقد كان المعنيون يعرفون أن مكانتهم وحضارتهم ستكون ناقصة بدونه، ولو لم يكن الأمر كذلك لما تطورت تلك الحضارات ووصلت إلى ما وصلت إليه. لقد كان المفكر والمبدع يتقاسم الفروسية مع الفرسان حتى عندما تقهره سلطة متخلفة، لا أن ينتظر فتات عطاياها.على هذا الأساس نشأت البذور الأولى والعظيمة للديمقراطية الأغريقية، الديمقراطية التي كانت ثمرة للصراعات الاجتماعية الرهيبة وإنعكاساتها على الإبداع والفكر الكلاسيكي فتطورت مع تطوره. ولذلك نجد تداخلاً بين التأريخ الثقافي والتأريخ السياسي عند الشعوب التي تركَّزَ فيها الإنتاج المعرفي والأدبي أكثر من سواها. إن واحداً من أهم العوامل التي كانت تقف وراء أمجاد أثينا القديمة وعظمتها، هو احترام الإنسان كقيمة عليا، يقول المفكر الأغريقي بروتوغروس (إن كلَّ شيءٍ في الكون يُقاس، من حيث قيمته، بالنسبة إلى الإنسان). فنجدُ الترجمة السياسية والحقوقية لهذا المفهوم، في قول بركليس، الذي حكم أثينا خلال القرن الخامس قبل الميلاد، في مرثاته الخالدة لتكريم شهداء الحرب البيلوبونيسية الرهيبة بين أثينا وسبارطة 431 ق.م حيث قال (ليس هنالك من مواطنين بيننا يشعرون أن أسيادهم – أي حكامهم – أدنى وأحقر من أن يكونوا أسياداً) وهذا ما يضعنا في مواجهة مفارقة حساسة في تجربتنا نحن العراقيين والعرب المعاصرين عموماً !! وفي نفس السياق، إذا كان لكل عصر ظروفه ومفارقاته، فإن موقف المبدع والمفكر وشروط نتاجه، ستظل كما هي، من حيث الجوهر، في جميع العصور، وكل ما نحسبه مختلفاً سنجده ينتمي للتفاصيل.  لنعد إلى السؤال الأول إذاً: كيف تتطور لغة المثقف المعاصر وتتجدد رؤاه ؟! أي ماهي العوامل التي تؤدي إلى هذا التطور في لغة الأدب والفكر ؟! عندنا في الأدب العربي المعاصر عموماً، إذا استثنينا قلة من الكتاب، نجد إشكالية إعادة إنتاج اللغة الأدبية وتكرارها ظاهرة واضحة، بل بدأ الحديث عن (جدار اللغة) منذ منتصف السبعينيات، كدليل على تحول هذه اللغة المتكررة في نصوص الأدباء إلى جدار صعب الأختراق، ولذلك ظل الأدب العربي يراوح في مكانه، أو يتطور ببطء، منذ ذلك الحين!! أي إنه أدب يعيش تحت عبودية اللغة المتكررة. تظهر العديد من الأسماء في كل جيل ومعها تصدر المئات من الكتب ولكن ما يؤثر ويبقى هو قليل جداً، كنتيجة لعدم توفر القدرة دائماً على إبتكار رؤى جديدة، أي لغة جديدة. والسبب الأساسي، بعيداً عن أية تعقيدات تنظيرية، هو الركود السياسي وتكريس العبودية السياسية. والسبب أيضاً هو إن غالبية الكتّاب ليس لديهم موقف حقيقي مما يدور حولهم، وبالتالي فليس لديهم أسئلة وهواجس إنسانية خاصة حول ما يدور في مجتمعاتهم من أزمات، فكيف، والحالة هذه،، يمكن أن تتجدد رؤاهم ولغتهم؟! من هنا جاءت سطوة اللغة المتكررة لتستعبد مشاعرهم ونصوصهم، فاللغة المتكررة هي الأيام البليدة المتكررة.  على إن البعض يعيش تحت وطأة أنواع أخرى من العبودية، وخاصة جراء الخوف من فقدان إمتيازات ذاتية معينة، أو مُفترضة، أي إمتيازات لا يملكها أساساً، أي أنه يتوهم إمكانية إمتلاكها لاحقاً !! فتسيطر عليه أنانيته، أو تلك الملكية المتوهمة أو المتمناة وتستعبده !! فيصير يدافع عنها بمزيد من التخاذل أمام الحقائق، وكأن التخاذل هو شرط من شروط الحصول على الأمتياز أو الجائزة !! لكن هذا المستوى من الدباقة الدنيوية يتناقض مع روح الأدب والإبداع المعرفي. لماذا إذن يصر البعض على المتاجرة الثقافية ولا يفتش عن تجارة أخرى أنفع له وأكثر ربحاً ؟!

حجز الفنادق

الوسوم:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

*