البوصلة الليبية الضائعة / بقلم : ياسين العطواني

يبدو ان مرحلة مابعد سقوط الأنظمة الدكتاتورية تُعد أكثر خطورة من مرحلة تواجد تلك الأنظمة في الحكم، فعادة ما تترك الأنظمة الشمولية خلفها تركة ثقيلة، وركامات سياسية واقتصادية وأجتماعية، ستظل تنوء بها ظهور وصدور الشعوب التي أبتليت بهذه الأنظمة لسنوات، إن لم نقل لعقود. وأخطر ما في هذه التركة هي حقول الألغام الطائفية والعرقية والقبلية التي زرعتها وتركتها خلفها تلك الأنظمة لتنفجر في أوقات وأماكن محددة، وهذا مايحصل اليوم في ليبيا وبقية بلدان ما يسمى بالربيع العربي، فبعد سقوط نظام معمر القذافي، وما تلاه من سقوط لبقية مؤسسات الدولة، وفي المقدمة منها المؤسسة العسكرية، أخذت الأسلحة بالانتشار في طول البلاد وعرضها، ما ساعد على ظهور المجاميع المسلحة في معظم الأراضى الليبية.
وقد  توزعت هذه المجاميع على عدة اتجاهات، فبعضها يمثل قبائل وعشائر ليبية، والبعض الآخر يمثل اتجاهات سياسية وإيديولوجية، وآخرى تنتمي إلى جهات مناطقية انفصالية، ناهيك عن التنظيمات الأصولية المتطرفة، والمرتبطة بصورة أو بأخرى بتنظيم القاعدة، وبذلك لم تعد هناك سيطرة مركزية لأية جهة حكومية على ما يحدث في ليبيا. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل امتد الى الجانب الاقتصادي، بعد ان سيطرت المجاميع المسلحة على الحقول والموانئ النفطية، وكذلك قيام بعض الأقاليم الليبية بتشكيل هيئات فدرالية لإدارة المنشآت النفطية، وراحت تتفاوض مع الشركات الأجنبية لتصدير النفط الليبي من خلال هذه الأقاليم بعيداً عن الحكومة المركزية.
وقد أخذت الأوضاع الليبية بالتدهور مؤخراً، بعد إعلان الضابط المتقاعد اللواء خليفة حفتر عن انطلاق عملية عسكرية أطلق عليها (عملية الكرامة) وتهدف كما جاء في تصريحاته وبياناته الى تطهير ليبيا من الإرهاب، والعصابات المسلحة، والخارجين عن القانون، في الوقت الذي عبر فيه عن التزامه بالعملية الديمقراطية. ولعل أهم الردود التي تناغمت مع تحركات حفتر، كانت المظاهرات التي خرجت في طرابلس ومدن ليبية أخرى، وبشكل عفوي، معلنة عن تأييدها لخطوات حفتر، وهو ما يعكس حالة التذمر التي تسود الشارع الليبي من الأوضاع السائدة في البلاد، والبحث عن أي منقذ يخرجه من هذا الوضع المزري، كما قامت بعض الوحدات العسكرية بالانضمام الى قوات خليفة حفتر، في حين اعتبرت الحكومة الليبية  وأعضاء في المؤتمر الوطني العام خطوات حفتر بمثابة انقلاب عسكري ضد الشرعية.
ولم تكن هذه الفوضى العارمة التي تسود الشارع الليبي اليوم بعيدة عن التدخلات الخارجية، فهناك دول بعينها قد دعمت ولا تزال تدعم جماعات أصولية متطرفة، على حساب جماعات إخوانية مدعومة من دول أخرى منافسة لها. وحتى تحركات حفتر العسكرية الأخيرة ينظر اليها على أنها مدعومة من قبل دولة بعينها، ونعني بها مصر، لمواجهة أطراف ومجموعات مسلحة معادية لها على الساحة الليبية، ولها امتدادات في الساحة المصرية. وهكذا تسير الأوضاع في ليبيا اليوم نحو المجهول، وباتت أمام مفترق طرق، وعلى أبواب الحرب الأهلية، ان لم يتم تدارك الموقف من قبل جميع الأطراف والجهات السياسية في هذا البلد.

حجز الفنادق

استضافة المواقع و تسجيل النطاقات

إعلان

الوسوم:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

*