الانسحاب وشجون أخرى .. ( عبدالرضا جاسم

تحت عنوان الانسحاب الامريكي من العراق، قيل الكثير، وكتب الكثير، وذهبت العيون سدى، بين من تلتمع عيناه فرحا وهما تشيعان الأقدام الأجنبية وهي تدب بعيدا عن أرض الرافدين، وأخرى تدور في رؤوس أصحابها قلقا من الآتي المجهول، وبين هذا وذاك مسرح خصب بكل الأدوار،

بين ما تفوح منه رائحة الهم الوطني، وأخرى مشحونةّ بهموم فردية، وثالثة تغرد في فضاء الجدل العقيم، ويلتقي أكثرها على أنه ليس هناك أجمل من أن تعيش في بلد حر، والأكثر جمالا أن يكون آمنا؛ فعندما يقف الانسان على مفترق الحياة والموت، فإن الخيارات تتصاغر أمام خيار الحياة، وقد تطفو على سطح المشهد وجهة نظر تطرح نقيضين لا ثالث لهما، إما أن تعيش في بلد يمسك أواصره من التفكك ثقل الاحتلال، أو تقف وحيدا في مواجهة ما هو أقسى من الاحتلال؛ بلد تمزقه الصراعات ويقف على شفا منزلقات لا حصر لها، أيهما أفضل؟.. لكن وجهة نظر أخرى ترى أن اختصار المشهد العراقي في هذين الخيارين عنوان لقصر النظر، طالما أن هناك خيارا ثالثا، ولا معنى لصهر الألوان جميعها في لونين فقط ؛ إما أسود أو أبيض ، فإن مشاكلنا ــ في معظمها ــ محلية الصنع، وليس من باب المستحيلات أن نتعالى عليها ، هذا من جهة، ومن جهة أخرى، فإن العلاقة مع أمريكا لا تستبطن شرط الاحتلال، خصوصا مع إثارته الشديدة لحساسيات وطنية ليس بإمكان الجميع التعايش معها، فهذه المسألة أيضا لا تختصر بين الاحتلال أو العداء المطلق، فإن لغة المصالح تستطيع كتابة سطور أخرى، سطور توفيقية بين ما هو حرمات وطنية لا يمكن المساس بها، وأخرى خاضعة لقانون الضرورة، والجمع بينهما ليس مستحيلا أيضا، ومن يتصفح خريطة العالم فلن تعوزه الشواهد؛ سيجد أن لأمريكا أعداء كثيرين، شرقا وغربا، لكن أكثر أعدائها في العالم شديدو الشراسة في العلن، وأرق من نسيم الصباح في الخفاء؛ يـدٌ تهدد وأخرى تحت الطاولة تتوسل العون من روما الجديدة، ولسنا بحاجة إلى كل هذا؛ فإن في مهارة التصرف متسعا يغنينا عن هذه المواربة، إذا ارتفعنا إلى مستوى لحظتنا التاريخية، ولن يكون ذلك إلا ّ بمعرفة ما نريد، وكيف نصل إلى ما نريد، وهذا لن يكون حتى نتصرف بعقلية بناة دولة، وليس الفئة أو الحزب أو القومية أو المصالح الشخصية، طالما أن هدفنا هو بناء دولة، وليس فوزا مرحليا محتوم النهاية بتوقيتات زمنية مقرّة سلفا، كما ليس من شروط بناء الدولة أن تتنفس مشاريعنا ونجاحاتنا داخل التصريحات، ثم تختنق ما إن ترى النور، أو تزدهر على الورق وبين أروقة الأحلام الكبيرة، ثم تأفل في المكان نفسه، وليس من شروط بناء دولة أن نطالب الآخرين بإسقاط ديونهم، بينما نواصل نهب أنفسنا ونخر دولتنا من الأساس ببراعة تثير الدهشة، وليس بعيدا ما أطلقته بعض الأصوات من الكويت في مسألة الديون، ونبزهم للعراق بآفة الفساد المالي، كما ليس من شروط بناء دولة، أن يمر على الانتخابات أكثر من نصف عام، وما زلنا نراوح خلف متاريس المصالح الضيقة، بينما تقف مصلحة الوطن مكشوفة الظهر أمام كل أنواع المخاطر، وبقي المواطن البسيط هو الدافع الأكبر لثمن جميع الإخفاقات.

 

حجز الفنادق

الوسوم:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

*