الاستبداد نقيض المدنية / بقلم : جمال جاسم أمين

المدنية بالتأكيد هي ليست المدن، البناء او تراصف البيوت كما يوهمنا المنطق الصوري للاشياء بل هي نوع من العلاقات تسود بين الناس وأهم ركيزتين لها: التنوع والحرية، وبغيابهما يتأزم معنى المدنية بشكل مطلق وهو ما يحدث الآن لها من سحق ممنهج بل ان هذا السحق هو المسؤول عن صناعة التطرف. اما عن علاقتها بالاستبداد فإننا نقرر بدءا: كل استبداد لا مدني بالضرورة ويمكن كشف هذه الحقيقة من عدة وجوه:
1 – ان الاستبداد شمولي وهو في الغالب يحتاج الى غطاء نظري اصولي زائف كما جرت العادة، وكل اصولية لا مدنية بامتياز لأن نزعة التطرف والاحتكار الكامنة فيها تحتاج الى حواضن طاردة للتنوع، علما ان التنوع هو ركيزة المدنية كما ذكرنا. لنقف قليلا عند اسطرة الشموليات، كيف تأخذ الناس الى اهداف نظرية بعيدة لا تلامس حاجة واقعهم بل تزجهم في متاهات لا اول لها ولا آخر.
يحصل هذا التغييب بطرق شتى وعبر ادبيات تحتكر الحقيقة وتضيّق سبل الحوار الجاد لأن مثل هذا الحوار يكشف زيف اليوتوبيا التي يذهب نحوها مثل هؤلاء المهلوسين، وبالفعل كم عانت بلداننا من جراء الشعارات الفضفاضة التي ما اغنت احدا على الاطلاق.
2 – المدنية رديف القانون وتوأمه بينما الاستبداد نزق سلطوي فوق القانون.
3 – المدنية ثقافة مواطنة، فرد له كامل الحقوق، بينما الاستبداد يحتاج الى قطيع بلا ملامح، وبفعل هذه الحاجة تمت اعادة تأهيل القبلية في زمن المجتمعات المعرفية الحديثة لأن مثل هذا التأهيل يوفر الجمهور او القطيع للسلطة وهو نوع من انواع الذكاء الغبي!، ذكاء باعتبار براغماتيته الظرفية و(غباء) لأنه جهل بفداحة النتائج التي ستطال حتى الذين تمتعوا بهذا الذكاء الاسود!.
4 – للمدنية خطابها المسالم الداعي الى احترام الحياة والانسان بينما الاستبداد خطاب قتالي قائم على القهر وتسويغ فكرة الموت بالدعوة الى التضحية، وهو الامر الذي يحتاج الى اسطوريات جديدة عن الخلود والشهادة والمجد! لدفع الناس للتخلي عن حياتهم مقابل لا شيء ابدا!.
5- للمدنية علاقة وطيدة مع العلم بينما الاستبداد خرافي، ولأجل هذا فهو يتبع سياسات تجهيل مبرمجة في البلدان التي يسود فيها. المدنية توفر غالبا فضاء مناسبا لحراك صناعة المعنى بينما الاستبداد، وهو يسحق هذا الحراك، يقدم بدائله الزائفة لسد الفراغ: مناسبات وهمية، أعياد بلا فرح حقيقي، استعراضات، شعارات واناشيد يسخّر لها هتّافون مهرة، كل هذه الألاعيب يقدمها الاستبداد معتقدا بذكائه الاسود انها تعوض فراغ رصيد المعنى الذي شح في نفوس الناس.
هذه المداولة اجدها في صميم الازمة التي تعيشها المنطقة وليس العراق وحده، بمعنى ان اعادة تأهيل المدينة ستكون هي الخطوة الاولى نحو الحل.
البعض يعتقد ان الانسداد وصل مرحلة اللاحل! بالطبع لا ، دائما هناك ممكنات وحلول، لكن يجب القضاء اولا على اعداء هذه الممكنات، والتخلص من سدنة الازمة والمستفيدين منها او ما ادعوهم بـ (اعداء الحل)!. هؤلاء هم من يضع العراقيل الى درجة ان يتوهم البعض بأننا وصلنا مرحلة الانسداد المطلق.
علينا ان نعرف بأن الوعي المدني مضاد للتطرف والاستبداد وان تفعيله والذهاب نحوه يعد من ممكنات الحل مهما بلغت الازمة ذروتها.

حجز الفنادق

استضافة المواقع و تسجيل النطاقات

إعلان

 

مقالات سياسية عراقية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

*