الاحتلال السلعي / بقلم : طارق رسن

دهشت كثيرا عندما قرأت عبارة صنع في إيران مكتوبة على كيس الملح الصغير الذي اشتريته من احد محال بيع المواد الغذائية، لم أكن أتصور بان الحال وصلت بنا إلى هذه الدرجة من الاعتماد والاتكال على الآخرين، بحيث أصبحنا نستورد حتى ملح الطعام من دول الجوار !. وأمعنت النظر في ما هو معروض أمامي من سلع مرصوفة بعناية، فكانت كلها تحمل أسماء البلدان التي أنتجتها، صنع في تركيا، في السعودية، في مصر… لكني لم اعثر على سلعة كتب عليها صنع في العراق !.
بالتأكيد لست وحدي من اشترى ذلك الكيس الصغير من الملح، هناك الملايين غيري يشترونه، ومحصلة عملية البيع والشراء هذه، هي عملية تجارية واقتصادية كبيرة لا يعود
نفعها إلا على الدولة المصدرة، فأبناؤها من رجال ونساء منهمكون في العمل، وهم مسرورون بما يتقاضونه من مدخولات شهرية، بعيدين كل البعد عن الأفكار السوداوية الهدامة التي لا تعتمل إلا في مخيلة العاطلين عن العمل.
في الزمن الماضي القريب كانت منطقة جميلة الصناعية في مدينة الصدر تعج بالحركة والنشاط على مدار الساعة، مكائن مصانعها لا تتوقف عن العمل إلا لأغراض الصيانة، وأفواج العمال من كلا الجنسين تدخلها صباحا، لتستبدل بأفواج أخرى في المساء، مختلف البضائع والسلع كانت تنتج من هناك، لكنها اليوم، وللأسف، أمست مهجورة، كمقبرة قديمة، بعدما صدئت مكائنها، وخمد هدير محركاتها، وهجرها عمالها.
لقد سال حبر كثير، وارتفعت أصوات الوطنيين وأهل الخبرة، مطالبة بضرورة التصدي الحازم لظاهرة الإغراق السلعي في السوق العراقية، وما يرافقها من دخول للأغذية الفاسدة، والبضائع الرديئة، وما ينجم عن ذلك من نتائج بالغة الخطورة على الدولة والمجتمع العراقي بصورة عامة، إلا إننا لم نر تحركا ملموسا في هذا الاتجاه. فبحسب تصريح رئيس الجهاز المركزي للتقييس والسيطرة النوعية التابع لوزارة التخطيط والتعاون الإنمائي المهندس سعد عبد الوهاب عبد القادر لجريدة الصباح في عددها 2447 حيث قال (إن لدى العراق الآن 23 منفذا بين بري وجوي وبحري تتدفق عبرها السلع والمنتجات المستوردة لا سيما مع الكثير من التلكؤ في القطاع الصناعي مما سبب إغراق السوق بمختلف البضائع..).
إن ما يتسبب به الإغراق السلعي من أضرار فادحة بالاقتصاد العراقي مسألة لا تعنى بها الدول المصدرة ومؤسساتها الصناعية، فهي تعمل وبكل ما أتيح لها من وسائل على أن تبقي العراق يدور في فلكها، وتحرص على أن لا يستعيد عافيته، وتتأهل مصانعه، وينهض اقتصاديا واجتماعيا، إنها ليست على استعداد لأن تخسر سوقا كبيرة رائجة لبضائعها تستنزف من خلالها أموال العراقيين الطائلة بكل سهولة ويسر. وبالتأكيد فأن هذه الدول تستمتع كثيرا برؤية عراق تتجاذبه الصراعات و الأزمات السياسية، وتطوح بأبنائه التناحرات الطائفية والعرقية، فالعراقيون هم من أخطر منافسيها إن توفرت لهم الظروف الملائمة لاستغلال مواردهم الطبيعية وإمكانياتهم الاقتصادية الهائلة، لكن أخطر نتائج ظاهرة الإغراق السلعي، تكمن في تخريبها لشخصية الإنسان العراقي وتكوينه النفسي، من خلال تعطيل طاقاته الخلاقة الكامنة في خامته، والتي تميز بها عبر السنين، فهو سيركن إلى الراحة، ويستمرئ العجز ويدمن عليه، وسيتعاظم الآخرون في عينه بينما هو يأخذ بالتآكل والضمور شيئا فشيئا. ولن تبخل الدول المصدرة عليه بما يريد من سلع وبضائع، ولكنها بضائع مدافة بالسم، السم الذي يصيب بالشلل ويستنزف الأموال!.
إن مجتمعا تغرق أسواقه بما ينتج الآخرون، ويتعطل أبناؤه عن الحركة والعمل، سيكون الحديث عن استتباب الأمن فيه حديثا لا طائل من ورائه، فكلما خرجت المؤسسات الأمنية فوجاً من الشرطة، خرج رحم البطالة أفواجا من العاطلين، أولئك الذين إذا ما زادت فترة تعطلهم عن الحد المعقول، فأنهم لن يتورعوا عن ارتكاب أي شيء لقاء حفنة من الدنانير!. وهكذا سنبقى ندور في حلقة مفرغة من العنف والقتل و الاستهلاك.
إن استتباب الأمن يبدأ من وزارة العمل، وهذه ليس لديها الكثير لتعطيه، لكن القيادة السياسية بإمكانها ذلك، إذا ما عمدت إلى التخطيط الاقتصادي الأنسب للواقع الراهن، والى اختيار أفضل السبل التي تحقق للشعب العراقي آماله وطموحاته ليستعيد ثقته بنفسه وبقدراته الكبيرة.
كيس الملح الإيراني الصغير ما زال في يدي، يشعرني بالعجز، والسلع المرصوفة فوق رفوفها بعناية تحمل أسماء الدول المصنعة لها، تشعرني كذلك بأنني أعيش في ظل احتلال شديد الوطأة، ليس للدبابة والجيوش دور فيه، ولكنه احتلال من نوع آخر.

حجز الفنادق

استضافة المواقع و تسجيل النطاقات

إعلان

الوسوم: ,

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

*