الاحتلال الأكبر / بقلم : طارق رسن

أطاحت القوات الأميركية في نيسان عام 2003 بأشرس وأعتى دكتاتورية في المنطقة العربية ، ولتمهد السبل لبناء دولة عراقية حديثة من المفترض إنها قائمة على أسس الديمقراطية والتبادل السلمي للسلطة. وقبل العراقيون بذلك، كشر لا بد منه للخلاص من طاغية أهوج أنهكهم بحروبه العبثية، وبدد ثرواتهم الهائلة.وبحسب الاتفاقية المبرمة بين بغداد وواشنطن في نهاية تشرين الثاني 2008 فانه لم يبق سوى بضعة أشهر على موعد انسحاب تلك القوات من جميع الأراضي والمياه و الأجواء العراقية. بيد إن الموقف الرسمي للحكومة العراقية حول بقاء أو خروج تلك القوات ما زال غائماً لم تتضح ملامحه النهائية بعد، فزعماء الكتل السياسية مختلفون كعادتهم حول هذه المسألة.وفي ظل هذا المشهد الإعلامي السياسي الصاخب يبدو المواطن العراقي مشغول بهمومه اليومية غير عابئ بما ستتمخض عنه المناقشات والسجالات بين السياسيين. هموم المواطن العراقي كثيرة ومختلفة وهو ما زال يئن تحت وطأتها، أولها الإرهاب الأعمى الذي لم يرتو بعد من دماء العراقيين الأبرياء. والبطالة، ثم نقص خدمات الكهرباء والماء، وأزمة السكن الخانقة و التوسع العشوائي للأحياء السكنية ، وبروز ظاهرة العصابات والجريمة المنظمة، وتردي المستوى الصحي، والتربوي …  ناهيك عن مافيات الفساد المبثوثة في مؤسسات الدولة، وما تمارسه من عمليات سلب ممنهج لأموال العراقيين ، وتعطيل لمشاريع التنمية والاعمار، وتكبيل للكفاءات المهنية النزيهة، وحرمانها من ممارسة دورها الفعال في النهوض بواقع المجتمع.. وقد انجرف الكثير من العراقيين في هذا التيار الأهوج ، ليصبح التعاطي مع قيم الفساد من الأمور الشائعة والبديهية التي لا يستنكرها الا أولئك الذين ما زالوا محافظين على مبادئهم وأخلاقهم، ولا أدري إلى متى سيصمدون.إن المواطن العراقي في الواقع يعاني من ظلم أبناء جلدته أكثر مما يعاني من وجود القوات الأجنبية في بلاده، فهو غالبا ما يجد نفسه ضحية للاستغلال والجشع في تعاملاته اليومية. لاحظ ظاهرة التجاوز على أموال الفقراء في برنامج الرعاية الاجتماعية من قبل بعض موظفين وميسوري الحال، تمعن في ابتزاز الأطباء لمرضاهم، وبقلة اكتراث بعض التجار بأرواح الناس وهم يستوردون الأغذية الفاسدة، أو الأدوية منتهية الصلاحية، تمعن في خلافات السياسيين وسجالاتهم وانعكاساتها المؤلمة على واقع الناس. وغير ذلك الكثير مما لا يخفى على احد. إن تاريخا طويلا من القهر والاستبداد السياسي في ظل الأنظمة الشمولية، والجهل التام بقيم المجتمع المدني، وغياب مفهوم المواطنة والمساواة والعدالة،.. كل هذا الحمل الثقيل ما زال الإنسان العراقي يعاني من رواسبه وإفرازاته المؤثرة في تشكيل السمات العامة للدولة التي أصبحت تعيش تناقضات داخلية عميقة وتعكس أخلاقيات مشوهة من الأنانية والجشع والاستغلال والإثراء السريع على حساب الآخرين وكأنها تريد الانتقام من الماضي المرير بتدمير الواقع الراهن. إنه الاحتلال الأكبر الذي تعجز عن إخراجه المقاومة العسكرية ولا تجدي معه اتفاقيات أو معاهدات، وهو من يجعل واقعنا مختلفاً عن الكثير من الدول التي تتواجد فيها القواعد الأميركية العسكرية، فهي آمنة، مستقرة، مزدهرة، لها ثقلها السياسي والاقتصادي والثقافي الكبير بين دول العالم. ثمة رواية تقول إن النبي محمد(ص) قال لأصحابه لما رجعوا من الغزو رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر. قالوا وهل هناك جهاد أعظم من جهاد الكفار؟ قال نعم جهاد النفس. وهذا هو ما يجب علينا أن نجاهد من أجله بكل صدق وإخلاص لتطهير نفوسنا من نزعة الاحتلال الأكبر فيما بيننا. وعندما نتحرر فعلا، ستخرج كل الاحتلالات الأخرى تلقائيا، بلا دماء أو ضجيج.

حجز الفنادق

الوسوم: ,

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

*