الاحتكام إلى القانون / بقلم : عمر السراي

الفرق بين الـ (دولة ) والـ (لا دولة), هو أن الدولة تمثل ُ مفهوما فوقيا مجردا يستند إلى مفاهيم تحتية لها مساسها بالاقتصاد والجغرافية والسكان.. الخ, مما له حضور ملموس على أرض الواقع, وهذا ما يعني بأن الـ (لا دولة) تمثل النقيض المنفي َّ لمفهوم الدولة. ولأن الدولة تقوم على بنى تحكمها تتمتع بشموليتها وقدرتها على مساواة الجماعة تحت ظلها نشأت القوانين التي تأتي بأبسط تعريفاتها لتعني ما تعاقدت عليه الجماعة لحماية الفرد وضمان مساواته بما لا يضر بمصالح الجماعات التي تتخذ من القانون منطلقا لها لتوضيح رؤاها إزاء الحياة المشتركة. والعراق بلد تشكل بهيئة دولة لها قوانينها النافذة وبرلمانها وسلطتها التنفيذية والقضائية التي حرص الدستور العراقي على أن يكون مشتملا وحارسا لها. إلا أن ما يلحظ في الآونة الأخيرة لجوء عدد من ممثلي الدولة إلى كسر الأطر القانونية التي جاءت لضمان سلامة المواطن, وذلك بالسعي وراء قوانين لا تستند للجادة السليمة الواجب تطبيقها, من مثل الاحتكام إلى المحاكم الدينية أو الأعراف القبلية, وذلك ما يتناقض مع مفهوم الدولة, ويمس بسلامتها من حيث هي الجامع لأفراد الشعب. وقد يعزو البعض شيوع هذا اللجوء غير الصحيح, والنفور من تطبيق القوانين العراقية الحاكمة إلى سلسلة من الأسباب, لعل َّ من أهمها تلكؤ مفاصل الدولة في أخذ حقوق التظلم والتشكي, وعدم قدرتها على استتباب أمن روح القانون وتطبيقه, وذلك بسبب الظروف التي يمر بها الوطن, إلا أن ذلك لا يعني ممارسة الازدواج في سير الاحتكام إلى عدة جهات, لأن ضياع فرصة حاكمية القانون, يعني ضياع فرصة تكوين دولة بالمفهوم العام. ومع أن الدستور العراقي قد أولى الاهتمام بالمؤسسات المدنية والدينية والقبلية, وعدَّها جزءا من مكونات الدولة وحراك شعبها, ودفع إلى وجوب دعمها, لكن هذا لا يعني تنصيبها محل سيادة القانون أو التشريعات النافذة, ولو تلكأ القانون.إن ما يجري من ظاهرة أصبحت شائعة في المجتمع العراقي من الاحتكام لغير القانون العراقي سبب شرخا في فضاء الهوية الوطنية العراقية الصاهرة للمكونات في وحدة وطن واحد, ودعا إلى نشوء هويات لا تؤمن بالعرق والطائفة والعنصر فحسب, بل أصبحت محملة ً بشحنة من الطائفية والعرقية والعنصرية, وبالتالي القبائلية, على اعتبار أن المصطلحات الأخيرة لا تعني الشعور بالانتماء الهادف للتميز عبر الجهد الذاتي والمشترك, وإنما تعني الشعور بالانتماء لإضعاف الآخر المتشاطئ في كينونته المتحققة عبر المواطنة من أجل إعلاء النطاق الضيق على حساب النطاق الوطني الأوسع. إن ما يهدد قيام دولة مدنية ليس الدين أو القبيلة أو العرف, إنما تنصيب الجهات المذكورة آنفاً محل توجه الدولة بإقامة نفسها وسط مجتمع يتعامل معها على أنها وطن له حضوره العالمي. فالاحتكام لغير القانون يعني تضييع حق الدولة عبر التنازل عن الحق الشخصي الذي تتكفله الدولة من أجل نيل حقوق متفاوتة القياس تقوم بها جهات غير مخولة للحكم, فالحكم الذي تمارسه الدولة يصدر عن القضاء الذي يلتزم بالجسد القانوني, وما يصدر عن غير الدولة يلتزم بقوانين صنعتها تراكمات الغلط الزمني, وهو ما لا يرتضى لوطن عريق في القانون مثل العراق، فالمسؤول العراقي نائباً أو وزيراً أو ذا درجة خاصة ملتزم بالقسم الذي شرعه الدستور العراقي وهو ما نصه: « اُقسم بالله العلي العظيم، أن أؤدي مهماتي ومسؤولياتي القانونية، بتفانٍ وإخلاص، وان أحافظ على استقلال العراق وسيادته، وأرعى مصالح شعبه، وأسهر على سلامة أرضه وسمائه ومياهه وثرواته ونظامه الديمقراطي الاتحادي، وان أعمل على صيانة الحريات العامة والخاصة، و استقلال القضاء، والتزم بتطبيق التشريعات بأمانة وحياد، والله على ما أقول شهيد». ومن ذلك نلحظ أن التلويح بالتهديد العشائري لفض أو تأليب النزاعات بين المواطنين له رفض وطني, كما أن له خيانةً من قبل المسؤولين الذين يلوحون به لأنهم وببساطة تحت القسم الدستوري, وهو ما أتمنى على مجلس النواب العراقي تفعيله لضمان سلامة المواطن ممن لا يمتلك أرضاً قبلية أو عرفية تحميه ليشعر بالمساواة, كما الضرب بقوة على تصريحات المسؤولين وإجبارهم لإشاعة روح الاحتكام إلى القانون, لأن الاحتكام لغير القانون أسقط عن ثلة من المسؤولين الحاليين شرط نظافة سيرتهم القانونية عبر التنازل لصالح الأحكام العرفية, فلا عجب أن نرى مسؤولا مداناً بتهمة ما سابقاً وسجله أبيض؛ لأن التنازل كان سيد الموقف عن الحق القانوني, لتمارس جهات غير قانونية سد َّ جريمته, وذلك ما يجعل المواطن عرضة لفكر يحكمه وهو لا يؤمن بالدولة. الأماني بإصدار قانون يجرم الاحتكام لغير القانون العراقي النافذ، ويحاسب الملوحين بالاقتصاص عبر المنافذ غير القانونية, لنكون في دولة تصدق عليها التسمية.

حجز الفنادق

استضافة المواقع و تسجيل النطاقات

إعلان

الوسوم:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

*