الإعلام الشمولي.. سلاح الثورة المضادة / بقلم : باسل محمد

من دون ادنى شك،ان الدولة العراقية و دولا عربية منها تونس و اليمن و مصر و ليبيا قد حصلت على الاعلام التعددي بفضل سقوط الدكتاتوريات التي كانت تنتهج و تؤمن بوجود الاعلام الشمولي الذي كرس جل عمله خلال عقود سابقة لمهاجمة المعارضين للحاكم المستبد وحزبه.
من هو الاعلام الشمولي؟ و هل وجوده مرتبط حصراً بوجود حكم سياسي شمولي ام لا؟  وهل يمكن ان نتصور وجود هذا الاعلام رغم زوال الدكتاتوريات السياسية في بعض الدول العربية؟
بشكل مؤكد، لم يعد هناك اعلام احادي او ذو توجه واحد في الدول العربية التي قامت فيها انظمة حكم انتخابية تعددية بعد سقوط الدكتاتوريات، فما هو قائم يعبر عن وجود اكثر من توجه اعلامي داخل البلد الواحد باتجاه الدفاع عن الاغلبية السياسية الحاكمة او باتجاه انتقادها وهذا امر ايجابي حتماً وبالتالي يمكن لهذا المشهد الاعلامي في اطاره العام ان يعني ان الاعلام الشمولي قد زال و انتهى.
في التفاصيل، لا تبدو ممارسة العملية الاعلامية التعددية بهذه المثالية التي نسلم فيها  بـالقول ان الاعلام الموجود هو اعلام حر مئة في المئة في الدول التي نشأت فيها سلطة سياسية منتخبة لأن اخلاقيات و مسلكيات الاعلام الشمولي لاتزال تفرض نفسها على هذه العملية لسببين الاول، ان جزءاً مهماً من القيادات الاعلامية الراهنة كانت في السابق جزءاً من عهد الاعلام الشمولي و بالتالي ستحتاج هذه القيادات الى مرحلة انتقالية اسوةً بالقيادات السياسية لكي تنتقل بشكل سلس وفعال الى العملية الاعلامية الحرة النقية و الكاملة. اما السبب الثاني، فيتعلق بعدم قناعة الكثيرين من القائمين على العملية الاعلامية التعددية ان الاعلام يجب ان يدار بمناهج علمية ولذلك فان الاعتبارات الذاتية و السياسية و الايديولوجية و كل انواع المواقف المتعصبة لاتزال حاضرة ولها نفوذ قوي.
من ابرز المخاوف و التحديات الراهنة في الدول التي انهارت فيها الدكتاتوريات،  ان الاعلام الشمولي تنفس الصعداء بسبب المساحة الواسعة للحريات الفكرية و الاعلامية و قد استثمر هذا الاعلام،  المناخ السياسي الديمقراطي لكي يستمد منه المزيد من اسباب الحياة و الاستمرارية دون ان يدرك اصحاب هذا الاعلام الشمولي ان المرحلة الجديدة تتطلب عملية اعلامية جديدة غير السابقة  لكنهم اي اصحاب الاعلام الشمولي واصلوا عملهم بذات النفس و الفكر الشمولي الذي يرتكز على مهاجمة الآخر و التشكيك بوطنيته و تخوينه و السخرية منه و رفض شراكته في ادارة الدولة وتجريده من المواطنة،  لذلك كان يجب لتفادي هذه الانتهازية من قبل صناع الاعلام الشمولي ان يتم سن قوانين اعلامية حرة واضحة و صارمة في التعامل مع نهج الاعلام الشمولي لدحره كما دحر النظام السياسي الشمولي.
في اهم نصيحة للدول المتعثرة في الانتقال السياسي السلس الى دولة ديمقراطية فعالة لها مشروع تنمية ناجح وستراتيجي كما في تونس و مصر و ليبيا و اليمن وحتى العراق الذي لم يترجم بعد اسبقيته في الديمقراطية في العالم العربي الى ابداعات في ادارة الحكم بصورة  عبقرية ان تبادر هذه الدول جميعاً الى ترتيب الوضع القانوني بأسرع وقت ممكن لدعم الاعلام الحر و تقويض الاعلام الذي يدار بعقلية الاعلام الشمولي لأن هذا الاخير هو احد الاسلحة الفتاكة واحد الرهانات الحاسمة لتنفيذ الثورة المضادة ضد ثورات الحرية العربية، فهذا الاعلام هدفه المنهجي التشكيك بجدوى الانتقال الى النظام الديمقراطي ما يدفع الرأي العام لمساندة عودة الانظمة الدكتاتورية القمعية، ولهذا الاعلام الشمولي مصلحة حيوية في كل ذلك وهي القضاء على الاعلام الحر اذا ضمن هذه العودة للدكتاتوريات.
كما ان على الاغلبيات السياسية في السلطة التي جاءت بالانتخابات ان تنأى بنفسها عن ممارسة الاعلام الشمولي للرد على الاعلام الشمولي من خارجها لأن ذلك من شأنه ان يؤدي الى تعزيز فرص التناحر الداخلي وهذا ما يريده بقايا النظام السياسي الشمولي و هذا ما يخطط له اصحاب الاعلام الشمولي لكي تفشل تجربة الدولة الديمقراطية، فهذا التناحر لن يدع اي مجال لانجاز الحد الادنى من مستويات التنمية للمواطنين، كما ان التناحر سيزيد من الاعباء الاقتصادية و الاجتماعية و النفسية و الامنية الى درجة يمكن معها ان تندلع ثورات شعبية ضد الديمقراطيات نفسها!

حجز الفنادق

 

مقالات باسل محمد

الوسوم:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

*