الإطاحة بالليبرالية / بقلم : حسن الكعبي

ان خيارات معظم البلدان العربية وبعد ان اطاحت بالانظمة الاستبدادية ، تؤشر على انعدام الرؤية السياسية لدى شعوبها ، ذلك انها خيارات تتجه الى اختبار انظمة رجعية على حساب استبعاد الانظمة الديمقراطية والليبرالية ، وكأنها تعلن بذلك عن كون الليبرالية لم تكن الا شعارا مضادا للاستبداد والشعارات الاحادية التي حملتها الانظمة الشمولية ، وبالتالي فان شعار الليبرالية يغدو وسيلة – وحسب – للاطاحة بهذه الانظمة الاستبدادية .ربما ان الاطاحة بالليبرالية واستبعادها عن خيارات الشعوب العربية ، يندرج ضمن الحسابات الرجعية التي تروج الى ان مفهوم الليبرالية مصنع في معامل الامبريالية ، وقد يكون الامر كذلك ، لكن لا بد من نهوض حجج عقلية وعلمية تسند هذه التصورات حول المفهوم ، ولنفترض ان المفهوم تم تصنيعه في معامل الامبريالية او انه متخارج عن افق تصوراتها، انقيادا وراء مقولات مفكرين ونقاد ذهبوا باتجاه ربط مفهوم الليبرالية بالامبرالية ومنهم الالماني (يورغن هابرماز) الذي وصف الليبرالية بانها ( انسانية صماء بلغت اقصى استعدادها لافراغ العالم من محتواه ) ليؤكد ان الليبرالية ليست الا مفهوما يسعى لادماج العالم في الامبراطورية الامبريالية في اطار اجتراح مفهوم الهوية الكونية ، ومن هذا المنطلق تصدر مقولات الناقد السعودي ( عبد الله الغذامي) الذي أكد في تصريح لقناة العربية انتقاده لمسار الليبرالية عالمياً “لارتباطها بالامبريالية بشكل لا يمكننا معه الفصل بينهما”، مبينا أن الممارسات تحت مسمى الليبرالية “ساذجة ومشوشة”.
لنفترض ان هذه المقولات في حال اقتطاعها من سياقها كانت صحيحة في سياق رصدها لمسار الليبرالية ، لكن هل يغدو خيار السلفية والرجعية هو البديل ؟.
اشرت الى ان هذه المقولات اقتطعت من سياقها ، وذلك لانه وفي هذين النموذجين او حتى في نموذج المفكر الكبير ادوارد سعيد الذي يوجه انتقادات حادة لللبرالية المصنعة امبرياليا ، لا نقع في اطار ربطنا لهذه المقولات بسياقها العام ، على الرفض المطلق للليبرالية بشكل عام، بل ان الرفض يقع في حدود جغرافيات معينة تعمل على افراغ هذا المضمون من محتواه ، ففي نموذج هابرماز يتوجه النقد الى الممارسة الشوفينية الالمانية التي رفعت شعارات الليبرالية ، ونموذج عبد الله الغذامي كان يتوجه بالنقد للليبرالية كما هي ممارسة عند بعض السعوديين ، ولذلك فانه يصف هذه الليبرالية بالشيخوخة وهو عنوان لمحاضرته المطولة التي القاها بجامعة الملك سعود بالعاصمة السعودية الرياض، ومفهوم الشيخوخة يشير الى ان الغذامي كان يتحدث عن نموذج ليبرالي معين ، اي ان الغذامي كان يتحدث عن الشيخوخة ، وفي تصوره وجود ليبرالية حيوية او شابة في جغرافيا مغايرة لجغرافيا السعودية ، وبمعنى ادق مغايرة للليبرالية في حدود التصورات التي يقصدها في نقده ولذلك فانه يؤكد ان الليبرالية في السعودية ( هوية من لا هوية له ) .
قد يكون ادوارد سعيد اكبر نقاد المفهوم ، لكنه ايضا يؤشر المفهوم في مساحة التصنيع الامبريالي والصهيوني ، اي بما انه مفهوم جير لمصلحة استبعاد الاخر في سياق هذه الشراكة بين قطبي الامبريالية والصهيونية ، ولذلك فانه يطرح تصوره لليبرالية بديلة في نهاية كتابه ( الثقافة والامبريالية ) والذي يدعو فيه الى ضرورة وجود تعايش بين الشعوب مؤسس على هوية انسانية تعددية ، والتعددية هي الترجمة العربية لمفهوم الليبرالية .
ان هذه التصورات تؤشر وجود ليبراليات عدة ووجود تصورات متباينة حولها ، ولذلك فان المفكر الكبير ( عبد الله العروي ) يشير الى وجود ليبرالية تامة وليبرالية ناقصة ، وكذلك فان (عبد الوهاب المسيري) يفصل بين الليبرالية الجزئية واللبرالية الكاملة .
في ضوء هذا الاستعراض للتصورات حول المفهوم ، فان التعميم الذي يسعى للاطاحة بالليبرالية في الفضاء العربي هو تعميم غير علمي او دقيق ومنتج لاضرار مستقبلية على حياة الشعوب العربية التي تبنت الإعراض عنه واستبداله بخيار السلفية التي سوف لن تكون الا اشد ضررا من الانظمة الاستبدادية التي تمت الاطاحة بها بعد سلسلة من التضحيات بالارواح والاموال وما الى ذلك من تضحيات قدمتها المجتمعات العربية للخلاص من عبوديات الانظمة الشمولية.

حجز الفنادق

استضافة المواقع و تسجيل النطاقات

إعلان

 

مقالات حسن الكعبي

مقالات عراقية

الوسوم:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

*