الإصلاح السياسي ( حسن الكعبي

لا تكتمل عملية الاصلاح السياسي في المنطقة العربية إلاّ باعتمادها على مقدمات الاصلاح الاساسية والمقصود بهذه المقدمات, هي مقدمات الاصلاح الديني, وذلك نتيجة التلازم الحاد بين السياسي والديني وتداخلهما تداخلا قويا يستحيل معه الفصل بينهما, رغم محاولات العلمانية لإيجاد هذا النوع من الفصل بين المتلازمتين في العالم العربي والاسلامي بشكل عام, بل ان هذه المحاولات كشفت عن استحالة هذا الفصل وبالتالي كشفت عن قوة المجال الديني وتغذيته لجميع المجالات الفكرية والاجتماعية والثقافية وليس السياسية وحسب. إن قوة الايديولوجيا الدينية تكمن في اقامتها داخل المجالات والممارسات الإيديولوجية الاخرى, بل ان هذه القوة ايضا تسيطر حتى على الممارسة العلمانية ذاتها التي تحاول ايجاد الفصل بين السياسة والدين والفصل بين الدنيا والدين – اي الفصل بين الحقول الدنيوية التي تتجسد بالممارسات الثقافية والفكرية وبين الدين -, وذلك جوهر المفارقة التي تكشف عن التناقض الحاد في الفكر العلماني. في سياق ممارسته التي تتمثل في اطروحاته المشار اليها, فالفكر العلماني وفي اطار اشتغالاته على هذه الاطروحة التي تظهر كهامش ضمن متن الاشتغال على الحقل الديني والدعوة الى اجراء الاصلاحات عليه, انما يظهر – اي الفكر – بمظهر الواعظ الذي لا يمتلك سوى التوصيات الطوباوية التي تتعارض مع معطيات الواقع, وذلك راجع الى عدم وجود اطر اجتماعية تستجيب وتتفاعل مع هذه الاطروحات والتوصيات, لأن الاطر الاجتماعية بالاساس تخضع لسيطرة الايديولوجيا الدينية وتتفاعل معها, وذلك ما تشير اليه المقولة شديدة الواقعية (ان سياستنا عين ديننا وديننا عين سياستنا) المعبرة عن الوعي الاجتماعي الجمعي. إن اكثر اشكال الاطروحات العلمانية تطرفا لم تتعد حدود هذه النوعية من التوصيات المفارقة للواقع, حتى تلك الاطروحات التي جاءت تحت عناوين (نقد الفكر الديني)، فغالبية هذه الاطروحات كانت تتجه في حقيقة الامر الى نقد العقل الديني المولد لنوعية الظواهر التي تتسم بأنواع من الرجعية, وثمة فارق بين العقل الديني وبين الدين بوصفه إيديولوجيا او مؤسسة، وفي هذه الحال فان العقل المولّد للظواهر المنقودة هو المسؤول عن التوليد وليس الدين بصفته المؤسساتية, وهذا الشكل من التفريق لم نقف عليه في الاطروحات العلمانية، ما ولد داخلها – اي داخل الاطروحات- اضطرابا منهجيا تسيطر عليه التعميمات والتعميات في الآن ذاته. وعلى الرغم من ان العقل الاجتماعي الديني يستمد معونته من المؤسسة الدينية في توليد الظواهر، الا ان ذلك لا يبرر التعميم قي الممارسة النقدية من جهة كما انه لا يدع مجالا لإمكانية الطرح العلماني في مسألة الفصل من جهة اخرى, لأن العقل الذي يستمد معونته من هذا الحقل او ذاك يشكل اطارا كبيرا وحاضنا قويا له. ثمة مفارقة اخرى تكشفها الممارسة العلمانية في سياق محاولاتها لنقد الغرب، ففي سياق هذه الممارسة غالبا ما يلجأ النقاد العلمانيون الى التحصن بالهوية الدينية وهو ما يؤكد امتثال الايديولوجيا العلمانية الى الدين شأنها في ذلك شأن الاطر الاجتماعية, ومغزى القول هو ان ثمة استحالة في ظل ذلك لإمكانية اطروحة الفصل المقتبسة من الفضاء الغربي, فواقع الغرب يختلف عن الواقع العربي في تقبل فكرة فصل الديني عن السياسي. من هذا المنطلق فإن مشاريع الاصلاح السياسي في الواقع العربي لا بد ان تستند الى مشروع اكبر في الاصلاح الديني, طالما ان جذر الاختلاف السياسي هو جذر ديني, وذلك ما ادركه العقل السياسي العراقي في المرحلة الحالية في اطار محاولاته لتسوية الخلافات السياسية, وهو ما يمثل مرحلة متطورة في الوعي السياسي العراقي الذي وعى الدرس التاريخي والذي يؤكد للدارس ان كبرى الاختلافات السياسية ذات منشأ ديني, ولذلك فان خطى الاصلاح لا بد ان تبدأ بهذا المنشأ او مراكز صنع القرار فيه كالازهر الشريف مثلا الذي بادرت الحكومة العراقية الى زيارته وهي زيارة مهمه لأهمية الازهر في صنع القرار الديني من جهة ومن جهة اخرى فان هذه الزيارة تزامنت مع التوجه في عملية الاصلاح السياسي. ورغم هذه البوادر فان على السياسة العراقية ان تكثف جهودها الاصلاحية في هذا السياق وتتحرك على مراكز اخرى تشكل ثقلا كبيرا في صناعة القرار الديني لضمان استقرار الدولة العراقية ولربما استقرار اغلب مناطق الاحتدام العربي, وبمعنى اوضح التوجه الكامل نحو المذاهب المختلفة والمتصارعة التي تتساير ضمن الايديولوجيا الدينية الواحدة, اضافة الى التوجه نحو الاقليات والانفتاح عليها وعلى الاديان الاخرى, خصوصا وان الايام القليلة الماضية شهدت اقامة ملتقى “حوار الاديان” الذي بالامكان استثماره استثمارا مثمرا في انجاح خطوات الاصلاح السياسي في توجهات الحكومة العراقية في الوقت الراهن.

حجز الفنادق

استضافة المواقع و تسجيل النطاقات

إعلان

الوسوم:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

*