الإصلاحات والمؤسسة الإعلامية / بقلم : محمد صادق جراد

ليس صعبا على المتابع للمشهد العربي اليوم أن يلاحظ ان هناك تداعيات خلفتها الثورات العربية ومنها أزمة الثقة بين المواطن وبين الإعلام العربي الموجود حاليا في الساحة وذلك لشعور لازم المواطن العربي خلال العقود الماضية بان الإعلام بصورة عامة هو إعلام الدولة ولا يخرج عن إطارها فهو لسانها والمتحدث الرسمي عنها لذلك نجد ان المتلقي اليوم يتعامل مع بعض وسائل الإعلام الحكومية وحتى الأهلية منها على أنها وريث شرعي للإعلام التابع للنظم الاستبدادية السابقة.
ويرى البعض ان المواطن محق في مخاوفه فالإعلام المساند للنظم الشمولية مازال يعمل بالرغم من التغيير في الأسماء والواجهات واستبدال الجلد الحقيقي بآخر مزيف يتماشى مع الحدث ويميل حيث تميل رياح التغيير.
حيث يحاول هذا الإعلام السلبي ان ينفذ أجندات لأنظمة دكتاتورية ذهب بعضها بينما بقي البعض الآخر يترنح ويسخر هذا الإعلام من اجل إبعاد رياح التغيير عن بلاده محاولا البقاء أكثر زمن ممكن بعيدا عن التحولات الديمقراطية من خلال سياسة إعلامية باتت مكشوفة للمجتمع الذي بات واعيا يرصد محاولات هذه الأنظمة..
ومن جانب آخر حملت رياح التغيير ملامح ظهور إعلام وطني حر يعمل باتجاه إنجاح التجارب الديمقراطية ويسخر جهوده من اجل توعية المجتمع بالمفاهيم الجديدة مستفيدا من مساحة الحرية التي منحته إياها مرحلة التغيير الا ان هذا الإعلام يعد فتيا مقارنة بالخبرات والدعم الذي يحصل عليه إعلام السلطة والإعلام المأجور..
ولكي نضمن النجاح لأي تجربة ديمقراطية حديثة خاصة في منطقتنا العربية لاسيما ونحن نشهد تحولات سياسية واجتماعية في أكثر من دولة يجب ان يكون الإعلام الوطني والحر احد أهم الضمانات المهمة التي تكفل نجاح العملية الديمقراطية من خلال مراقبته للمرحلة الانتقالية وتصرفات السلطة فيها وعدم استغلالها للصلاحيات الممنوحة لها بالإضافة إلى دور مهم للإعلام في مراقبة أي انتخابات مرتقبة وضمان عدم التزوير او التأثير على شفافيتها كما ويساهم الإعلام في نقل الرأي والتحليل لما يحدث في الوضع السياسي للشارع والجمهور ليساهم في تشكيل قناعات المتلقي الذي سيكون بأمس الحاجة للتنوير والمعرفة في ظل التجربة الديمقراطية الأولى التي يخوضها المواطن العربي الذي عاش عقودا طويلة في ظل الأنظمة الدكتاتورية ذات الحزب الواحد والقائد الرمز.
ولا بد ان نشير هنا ونحن نتحدث عن الأنظمة الشمولية بأنها تمكنت لعقود طويلة من احتكار وسائل الإعلام وتسخيرها لمصلحة النظام وشخص الحاكم وعملت على توظيفها وتجنيدها لنشر أفكاره  والتأثير على المنظومة القيمية للمواطن باتجاه تغيير مفاهيم المواطنة والوطنية، ولقد سعت الأنظمة الى السيطرة على الإعلام من خلال إحكام السيطرة على المؤسسات الإعلامية والتي كانت مجرد واجهة للأجهزة القمعية للسلطة وبغياب القوانين التي تحمي الإعلام تمكنت الأنظمة من احتكار الإعلام لصالحها عبر السنوات الماضية.
أما اليوم وبظهور وسائل الإعلام والاتصال الحديثة (الفيس بوك والانترنت والمدونات) استطاعت القوى السياسية خاصة الشباب من كسر هذا الاحتكار حيث وجد الجمهور مساحة من الحرية عبر هذه المواقع التي لم يألفها سابقا ما زاد عدد المشتركين والمطالعين لها وأخذت حيزا كبيرا من اهتمام الجميع لما لها من تأثير ومواجهة فعلية مع الحدث ومساهمتها في كشف الكثير من الخروقات والانتهاكات للعالم بعد صمت وتعتيم إعلامي دام سنوات طويلة ولتلعب هذه الوسائل الحديثة دور الإعلام الحر في رصد التجاوزات.
وأصبح الجميع يعرف بان الإعلام الحر هو أكثر الوسائل فاعلية لمراقبة الأداء السياسي  خاصة عندما تتاح له حرية اكبر ويمنح غطاء قانونيا لحريته ما يمنحه قدرة اكبر على رصد الخروقات والإسهام في الحد منها ولذلك يطلق على الإعلام السلطة الرابعة وهي تلك السلطة التي تراقب عمل السلطات الأخرى في البلاد.
ما نريد ان نقوله هنا بان أي تجربة ديمقراطية حديثة ستكون بحاجة لوجود إعلام حر ومتطور ليواكب العصر ويكون سلطة حقيقية ويتمكن من رصد ومراقبة عمل السلطة مستندا الى تشريعات وقوانين تمنحه القوة والحرية في العمل ليكون رقيبا على العملية السياسية، وكل هذا لن يتحقق بدون قانون حقيقي  لحماية المؤسسة الإعلامية وليس لتقيدها كما كان يحدث في زمن الأنظمة الشمولية. إذن هي دعوة لكل الدول التي ستشهد تغييرات وتحولات ديمقراطية ان يشمل التغيير والتحول الديمقراطي المؤسسة الاعلامية اولا وان تكون قوانين حماية الإعلام والصحفيين في مقدمة الإصلاحات التي تقوم بها فور إسقاط النظام لنضمن رقيبا حرا ونزيها  للعملية الديمقراطية الجديدة.

حجز الفنادق

استضافة المواقع و تسجيل النطاقات

إعلان

الوسوم: ,

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

*