الإصبع الروسي / بقلم : علي سعدون

كثيرون يرون في السياسة التي انتهجتها الولايات المتحدة الاميركية، ازاء الازمة السورية وما نتج عنها من خراب لم يكن لأحد ان يتصور مدى اتساعه وضخامة ما وصل إليه، اضافة الى تفاقم الارهاب وتعاظم حضوره في الساحة العراقية، اقول ان الكثيرين يرون في ذلك، سياسة خاطئة وغير مجدية ولم تلامس المعالجات الحقيقية التي تتطلب منها – اي اميركا – دورا اكبر في التصدي العالمي، لإرهاب لن يكتفي باحتلاله منطقة الشرق الاوسط وما يحيطها، انما يطمع كثيرا في توسع انشطته الدموية في مساحات ابعد وأوسع من هذه التي يرسم خرابه فيها منذ اكثر من عامين، وبالتالي سيرى هؤلاء ان اميركا تشير بالسبّابة الخطأ في التشخيص والحلول، اعني ان الاصبع الاميركي مأخوذ بالبوصلة التي لا تقرأ الاشياء بدقة ووضوح، وان سياساتها لم تثمر عن فعل مؤثر يحدّ من تنامي الارهاب وتعاظم قوته وأنشطته المتواترة. وسيقارن هؤلاء ذلك الاصبع (الخطّاء) بالإصبع الروسي، الذي بدا اكثر جدية في فهم ما يجري على الساحتين السورية والعراقية. بل بتداعيات وخطورة وجود الارهاب في الشرق الاوسط ومن ثم في العالم كله، في تجربة لم يسبق لها مثيل في التاريخ المعاصر.
تشير (السبابة) الروسية الى موضع الجرح النازف في سوريا، فتهرع الى دك اوكار داعش العسكرية والاقتصادية، لا سيما شاحنات النفط العملاقة وصهاريجها الجاثمة في مناطق داعش المنتشرة في معظم ما استحوذوا عليه من حقول نفطية ومحطات تكرير وغيرها، لم يشر اليها الاصبع الاميركي إلا لماما، ولم يتخذ حيالها المعالجات التي كان بمقدورها ان تحد من قدراته الاقتصادية وتمويله الذي صار اكثر خطورة بسبب حصوله على المال من مبيعاته النفطية.
لقد نتج عن التدخل الروسي وهو يضع اصبعه على موضع الجرح، مفاوضات حقيقية تشير الى اكثر من دلالة في تطور نوعي لتلك المفاوضات التي كانت تأخذ شكل اسقاط الفرض بالتدخل الاممي او الدولي لحلحلة الأزمة، اعني ان من يقترح الحلول، كان جزءا من المشكلة، بل كان جزءا من تعقيداتها وعثرات حلولها ايضا في معظم الأحيان، وليس باعتباره طرفا محايدا يسعى الى حقن الدماء التي ما انفكت تنزف منذ سنوات بلا طائل، وبلا وازع انساني يردع هؤلاء الساسة الذين تمادوا كثيرا في التعامل مع الوضع السوري باستخفاف ولا مبالاة ازاء الدم السوري الذي بدا رخيصا في عيون وأرواح هؤلاء الساسة المارقين، بدعوى النظام الشمولي وبوصفه حجر العثرة امام التطلعات الشرق اوسطية الجديدة!!، تلك التطلعات التي يرسمها الغرب في اسوأ تجربة له بعد نهايات ازمنته الكولونيالية الغابرة، لتقوم بعد ذلك بتنفيذها بعض من دول الخليج غير المؤهلة سياسيا وعسكريا لهذا الدور الذي أُقحمت فيه حتف أنفها، بسبب من تبعيتها الاستعمارية الراسخة منذ عقود، وبطريقة مفضوحة يصعب معها التبرير العقلاني لسيناريو التدخل السافر في شؤون الاشقاء والاصدقاء، والتآمر على حاضرها ومستقبلها وحياتها الآمنة، وباستنزاف للموارد المالية الخليجية التي كانت سببا في هدوء سلطانها التقليدي منذ خمسين عاما على الاقل، كممالك وإمارات ودول صغيرة، تعيش على هامش السخونة السياسية التي عاشتها وتعيشها المنطقة بالحروب الدامية والتحولات الاقتصادية غير المنطقية التي غالبا ما تكون ردة فعل وانعكاس لتداعيات تلك الاحداث.
وعليه فإن الاصبع الروسي الذي يرى ويصغي جيدا لمنطق العقل والحنكة العسكرية والتجربة الطويلة في الحروب والازمات، عَبرَ الى الضفة الاخرى من المشكلة، ضفة الحسم في العمل على استئصال الورم الخبيث في جسد الازمة (التنظيمات الارهابية المختلفة) وعلى رأسها قوة (داعش) بوصفها الاكثر دموية وعدوانا وتأثيرا، إذ ان الضربات الجوية الروسية القوية والدقيقة والمؤثرة، كانت من الاهمية الكبيرة ما يجعلها من اكثر الادوات حسما للصراع الذي تشي قراءة عميقة وفاحصة للأحداث، انه يلفظ انفاسه الاخيرة امام الضغط الهائل للاصبع الروسي، اعني ان داعش التي تختنق اليوم وتتخبط فيما تفعله في سوريا وتتقهقر سريعا بارتباك عال، هي نفسها التي عاشت حرية الحركة والتصرف والفعل في ظل الاجراءات الخجولة للتحالف الدولي غير البريء من تداعيات تفاقم الازمة على هذا النحو. وان التحولات الهائلة في الوضع العسكري اليوم ما كان يمكن ان يتحقق لولا الفهم العميق لجذور الازمة ومفاصل قوتها وحضورها المستمر والقوي في المنطقة، الامر الذي يمكننا عده درسا من دروس الفهم السياسي بعيد المدى.. ذلك الفهم الذي تتأكد دلالات تأثيره كلما شاهدنا بأم اعيننا حركة الاصبع الروسي التي تشير الى موضع الجرح وتتحرك حياله بالقوة التي يستدعيها مثل هذا الجرح العميق على نحو لافت ومؤثر.

حجز الفنادق

الوسوم:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

*