الأسد أم القاعدة؟ / بقلم : باسل محمد

خطأ فادح ان يخير السوريون بين بقاء نظام بشار الاسد أو بقاء التنظيمات المتشددة بزعامة تنظيم القاعدة الارهابي لأن معنى ذلك ببساطة أن الثورة السورية من اجل الحرية و اقامة نظام حكم تعددي انتخابي تمت تصفيتها،  كما أن الاختيار بين القوتين يمثل اسوأ اختيار، فنظام حزب البعث السوري يؤمن بالقمع و البطش و الهيمنة على السلطة بكل الوسائل أما القاعدة فهي تنظيم ارهابي ظلامي لا يناسب على الاطلاق أهل الشام الذين يتميزون بالانفتاح الثقافي و الاجتماعي عبر التاريخ.
من اقبح الافكار الشائعة في الوقت الراهن بالتزامن مع التحضيرات الجارية لعقد مؤتمر جنيف 2  لتسوية الصراع الدموي في سورية،  فكرة أن رحيل الاسد عن الحكم سيؤدي الى تقوية نفوذ القاعدة و جماعاتها الارهابية بمعنى انه طالما جبهة النصرة، فرع القاعدة في سورية موجودة عسكرياً، فمن المفيد أن يبقى الاسد في السلطة وعلى المدن السورية الثائرة أن تعود عن ثورتها و تتخلى عن أحلامها وترجع الى حضن النظام الدافىء و الآمن من مخاطر الارهابيين.
في العراق، لايمكن للعراقيين ان يتجاهلوا حقيقة قطعية وهي ان الأجهزة التابعة للنظام السوري كانت في السنين القليلة السابقة تغض البصر أو توفر تسهيلات واسعة لانتقال المسلحين و الانتحاريين و الجهاديين من مختلف البلدان العربية عبر الاراضي السورية باتجاه الداخل العراقي لتنفيذ هجمات ارهابية عنيفة على اعتبار ان الاحتلال الاميركي كان موجوداً وكان هو المسؤول عن ادارة الملف الأمني وبالتالي ليست مشكلة أن تسيل دماء العراقيين، فالمهم في نظر نظام الاسد في وقته أن يلقن الاميركيون دروساً قاسية في المستنقع العراقي حتى وأن تم ذلك بدفع اثمان باهضة من ارواح العراقيين ومغزى ذلك كله ان العراقيين يدركون ربما اكثر من غيرهم بأن نظام الاسد هو من ابرز مشجعي نشوء المجموعات الارهابية في المنطقة وأنه كان يستخدمهم لأهداف سياسية اقليمية ودولية.
بصراحة شديدة، نحن في العراق نحمل نظام الاسد مسؤولية جلب مئات الارهابيين الى المنطقة ولذلك كانت تصريحات المسؤولين في الحكومة العراقية قبل سنوات تحذر النظام السوري من أنه سيأتي اليوم الذي هو من سيدفع فيه ثمن ايوائه للمجموعات المتشددة التي كانت تحارب العراقيين بضراوة وبالتأكيد سمح مناخ الثورة السورية لهذه المجموعات فيما بعد من التسلل و التغلغل و اقامة معسكرات لها مستغلةً ظروف الصراع بين الاسد و بين شعبه،  لذلك على السوريين أن يعوا أن فكرة أن يختاروا بين الاسد و بين القاعدة هي فكرة مدمرة لا تناسبهم و تتعارض بشكل كبير مع تطلعات المستقبل لبناء سورية جديدة بلا نظام بعثي و حكم الشخص الواحد أو العائلة الواحدة وهذا هو الهدف الحيوي و الستراتيجي لأهل الشام الذين قدموا عشرات آلاف الضحايا منذ اكثر من عامين و نصف العام.
على مستوى التجربة العراقية، فقد حاول البعض أن يخير العراقيين بين العودة الى نظام صدام الدكتاتوري و بين البقاء في حالة العنف و اللاستقرار، بين عودة النظام البعثي السابق و بين الديمقراطية المتعثرة و المرهقة غير ان اهل بلاد الرافدين اختاروا نظام الحكم الانتخابي التعددي وهم مستعدون للذهاب الى ابعد نقطة من الصبر و التضحية من أجل بناء هذا النظام و تطويره  لأنه الخيار الافضل لهم  لا خيار  اللجوء الى احضان نظام قاد العراق بسياساته الداخلية و الخارجية الى مستويات مخيفة من الدمار و استنزاف الانسان و الموارد.
عملياً، يجب على أية تسوية للأزمة السورية في مؤتمر جنيف 2  أو اي اطار دولي آخر للحل ان تشكل حكومة سورية وطنية تتولى مهمتين اساسيتين لضمان انتهاء العنف و عودة السلام الى سورية،  فالمهمة الاولى تتعلق بآلية استبدال حكم دكتاتوري متسلط بنظام سياسي انتخابي حر ودستوري، تكون مؤسساته موالية للوطن لا للحاكم  أما المهمة الثانية لأية حكومة سورية انتقالية فهي اعادة تنظيم القوات المسلحة السورية وتحديد اهدافها الوطنية المشروعة لتطهير كل اراضي الشام من ارهابيي القاعدة و غيرهم.
من منظور وطني، يمكن لوجود قوة ارهابية مثل القاعدة في سورية ان يدفع باتجاه تسوية تاريخية بين جزء مهم من نظام الاسد و بين المعارضين السوريين وتسمح هذه التسوية بحشد كل الجهود لمحاربة الارهابيين بعد أو بالتزامن مع رحيل نظام الحكم الفرد والحزب الواحد، كما انه من الذكاء أن يعي السوريون على اختلافهم القومي و المذهبي و الديني  ان انسحاباً سلساً للرئيس الاسد من السلطة سيسهم بصورة فعالة في نجاح عملية تركيز الجهد الوطني السوري لهزيمة القاعدة.
في المدى القريب، يمكن للتسوية السياسية الناجحة في سورية أن تفضي الى توجيه ضربة قاتلة للقاعدة في المنطقة و العراق لأن الكثير من عناصر التنظيمات الارهابية انتقلت من العديد من الدول الى سورية و هذا معناه عسكرياً أن المعركة مع القاعدة في هذا البلد ستكون مصيرية و ستلحق ضرراً بالغاً في قدرات القاعدة في العراق بالتحديد و على الاسد أن يسعى الى التكفير عن خطئه مع العراقيين في السنوات السابقة لأنه اذا قبل بتسوية سهلة و سريعة سيقدم هذه الخدمة لشعب وادي الرافدين.
وفي اهم خلاصة لكل ما يجري من حراك سياسي لعقد مؤتمر جنيف 2  أو لجهة الحراك القائم على الارض من خلال المعارك بين قوات النظام السوري و بين قوات المعارضة ، فان نجاح اية تسوية سياسية ستكون مقرونة بعملين وانجازين،  رحيل الاسد و هزيمة القاعدة.

حجز الفنادق

الوسوم: ,

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

*