الأزمة السورية.. الأقلمة والتدويل / بقلم : عطيل الجفال

تلوح في أفق الازمة السورية ملامح لأقلمة الصراع الدائر هناك منذ ما يزيد على العامين، تمهيدا لتدويله بنسخة جديدة ليست مشابهة بالضرورة للنسخة الليبية أو المصرية. في ليبيا كان التدخل العسكري الدولي مباشرا، وأهدافه محددة منذ البداية، أما في مصر فأن التدخل الدولي كان إستخباراتيا وأهدافه محددة أيضا، أما في سوريا، فأن التدخل سيبدأ من دول اقليمية تخوض حربا على الأرض السورية بالنيابة.
ثمة إشارتان مهمتان تصبان بهذا الاتجاه، الاولى، اعلان تنظيم القاعدة في العراق أن جبهة النصرة السورية هي جزء من التنظيم الذي دعا العشائر الى الالتفاف حوله من أجل إعلان الدولة الاسلامية في العراق وبلاد الشام. الاشارة الثانية هي ماقاله الرئيس السوري بشار الاسد في مقابلة مع قناة اولوصال وصحيفة ادينليك التركيتين من أن (ما يجري في سورية منذ عامين هو نتيجة صراع خارجي مرتبط بالخارطة الإقليمية والصراع بين القوى الكبرى) محذرا من (أن أي اضطراب في سورية سينتقل مباشرة إلى الدول المجاورة وبتأثير الدومينو إلى دول بعيدة في الشرق الأوسط ليخلق حالة من عدم الاستقرار).
أقلمة الأزمة السورية قد تصبح إسلوبا جديدا لتغيير الأنظمة في المنطقة تحت خيمة الربيع الذي يبدو انه لا يحل إلا في المنطقة العربية، وفي أجزاء منها على وجه التحديد. كما أنه قد يكشف عن اتفاقات سرية تجمع المنظمات المتطرفة مع واشنطن، أو بشكل أدق عودة الدفء الى العلاقة بين الطرفين، على اعتبار أن تنظيم القاعدة تأسس وتدربت قياداته على أيدي المخابرات الاميركية لمواجهة التمدد السوفيتي السابق في أفغانستان، الاشارات الى هذه العلاقة لم تأت، كالعادة، من واشنطن، بل من حلفائها في المنطقة، فبعد أن وضعت الولايات المتحدة جبهة النصرة على قائمة المنظمات الارهابية، بدأت بعض الأصوات السورية تتصاعد لرفعها من هذه القائمة. نائب رئيس “الائتلاف الوطني السوري” جورج صبرا يستغرب في مقابلة صحفية مع الـ(سي أن أن) إدراج الولايات المتحدة “جبهة النصرة” على لائحة الإرهاب، ويشدد على ان الشعب السوري يعتبرها جزءاً من الثورة.
ويتابع ان وصف الغرب للجبهة بأنها “إرهابية” يدعم (مزاعم) الرئيس السوري بشار الأسد بأن الحرب الأهلية ليست انتفاضة طبيعية وإنما غزو من قبل القوى الأجنبية.
رئيس “الائتلاف الوطني السوري” المعارض معاذ الخطيب كان قد سبق نائبه في التعليق على وضع الولايات المتحدة “جبهة النصرة” على لائحة الإرهاب قائلا ان وضع “إحدى الجهات التي تقاتل النظام كجهة إرهابية تلزم إعادة النظر فيه”.
ويضيف “إننا نعشق بلادنا بجنون وقد نختلف مع بعض الجهات في أفكارها ورؤيتها السياسية والفكرية ولكن كل بنادق الثوار هدفها إسقاط نظام طاغوتي مجرم”.
لكن الأمر على ما يبدو لم يعد رهنا بقرارات و(رغبات) المعارضة السورية وواشنطن، ولم يعد يراوح في مساحات حلم الحكومة السورية أو تركيا وقطر، بل أصبح مثار اهتمام دول أوروبية لم تبد ذات الاهتمام حين كان التدخل الغربي المباشر في ليبيا أو غير المباشر في تونس ومصر. ففي اجتماع الثمانية الكبار الذي عقد في لندن مؤخرا، دعت بريطانيا إلى عملية انتقال سياسية في سوريا، كما أنّ الاتحاد الأوروبي تمسّك أيضاً (بالحلّ السلمي)، في تطور واضح لتجفيف منابع تسليح المعارضة السورية، على الرغم من أن قطر وشركاءها الغربيين بدأوا طرح فكرة منطقة عازلة للنازحين السوريين داخل سوريا، في خطوة تذكر المتابعين بمناطق الحماية الجوية التي فرضتها واشنطن على مدن جنوب وشمال العراق.
وزير الخارجية البريطاني، وليام هيغ، اختصر الطريق على المعارضة السورية التي دعت الى تسليحها ودعمها في حربها ضد النظام وقال صراحة أن لا أحمل أخباراً إيجابية للمعارضة السورية بخصوص التسليح لأنّ العالم منقسم)، معتبراً أنّه (حان الوقت لعملية انتقال سياسية تحترم رغبات الشعب السوري). مشيرا إلى (أننا عقدنا اجتماعات مع المعارضة السورية للتوصل إلى تسوية سياسية في سوريا).
أما وزير الخارجية الألماني، غيدو فيسترفيلي، فقد أكد في هامش الاجتماع على (الموقف الألماني المعارض لتسليح المعارضة السورية)، موضحا (ما يثير قلقاً لديّ هو أن السلاح الذي سيورد إلى سوريا سيقع فيما بعد في أيدي الجهاديين والإرهابيين)، مشيرا إلى أنّ (الفكرة القائلة بأنّ عدداً أقل من الناس سيهلكون في حال توريد مزيد من السلاح إلى سوريا لا تعتبر شيئاً أكيداً).
القادم من الأيام سيكشف اللعبة التي حشرت وسط انتباهات الدول الأوروبية التي تعي أن تغول التنظيمات المتطرفة سوف لن يجعلها بمأمن عن نشاطات هذه التنظيمات، ولنتذكر ما جرى في محطات مترو لندن وفي ضواحي باريس من تلك الانشطة، تلك اللعبة سوف ُتعّوم مواقف عواصم إقليمية لجهة ردود الأفعال التي لا تتسق مع هذه المواقف، لذا ليس مستبعدا أن تأخذ هذه العواصم على عاتقها الاستمرار منفردة بمهمة تزويد المسلحين بالمال والسلاح والدعم اللوجستي، بهدف صعود تيارات إسلامية الى واجهة المشهد السياسي ومن ثم الى السلطة في سوريا من أجل إتمام رسم القوس اللازم لتشكيل ملامح الدولة الاسلامية كما هي ضمن الحلم التركي الجديد باعادة مقولة الخلافة الاسلامية الى عهدها العثماني.

حجز الفنادق

استضافة المواقع و تسجيل النطاقات

إعلان

الوسوم:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

*