الأحزان الشخصية والفهم الموضوعي للتأريخ / بقلم : كريم عبد

في 25 تموز الماضي، نشرت (الصباح) مقالاً للسيد محمود العكَيلي بعنوان (اسماعيل العارف في الميزان) تعقيباً على مقال سابق لي، وهنا ملاحظاتي على التعقيب المذكور: بدايةً لا بدَّ لي من شكر السيد العكَيلي على ما أبداه من اهتمام بمقالي (إسماعيل العارف وأسرار ثورة 14 تموز)، وعلى ملاحظاته القيّمة وذكره لبعض التفاصيل والأحداث المهمة التي أفادني الإطلاع عليها، خصوصاً الحيف الذي لحق به مع جمع من زملائه المعلمين جراء قرارات غير مبررة بحقهم صادرة عن وزير المعارف آنذاك إسماعيل العارف كما يقول العكيلي. إنني استغل هذه المناسبة لدعوة العكيلي وأبناء جيله لتدوين جميع التفاصيل والأحداث التي عاشوها أو تلك التي تأثروا بها سلباً أو إيجاباً، فتاريخ الشخصيات والتاريخ العام لا يمكن فهمه من دون تلك التفاصيل التي تضيء الواقع في حقبة معينة.
كما إن مثل هذه التفاصيل ستكون في غاية الأهمية لكتّاب المسرح والسيناريو الذين يتناولون تلك الحقبة، بل إن الأحداث التي ذكرها السيد العكيلي تصلح إطاراً عاماً لفلم سينمائي أو مسلسل تلفزيوني وحبذا لو اطلع الأستاذ عادل كاظم على تلك الأحداث لعلها توحي له بعمل ما قبل أن تقوم بعض الفضائيات المشبوهة بتزوير سنوات ما بعد 14 تموز مثلما شوّهت الحقبة الملكية.
أعود إلى التعقيب فأقول، إن الإنقسام السياسي بين اليساريين والقوميين أو بين أنصار الزعيم عبد الكريم قاسم وبين أعدائه، قد تحوّل –أي الإنقسام- إلى عداء مُستحكم طغى على كل ما عداه شعورياً وثقافياً، بحيث إذا تورط أحد اليساريين بمدح أحد السياسيين القوميين فإنه سيصبح خائناً أو تحريفياً لدى جماعته حتى لو كان مديحه مبنياً على وقائع ملموسة!
والشيء نفسه سيقع لأي قومي يخطر على باله مديح شخصية يسارية!
لقد تناسى الجميع بأن مصلحة العراق ومستقبل العراقيين أهم من الأحزاب والاتجاهات المتناحرة، والتي نحر بعضها البعض الآخر جراء ذلك العداء المستحكم! حيث لا يمكن الخلاص من هذا الخلاف المستمر لحد الآن، إلا بالعودة للحقائق الموضوعية، أي النظر إلى الظواهر والأحداث كما جرت بعيداً عن تفسيراتنا الحزبية أو الشخصية المسبقة.
وبما إن الوصول للحقائق الموضوعية ليس سهلاً ويحتاج إلى بحوث وجهود كبيرة، يصبح من المعقول أن نبحث عن قواسم مشتركة مع من نختلف معه في الفكر أو التوجه السياسي بقصد الخروج من حالة العداء إلى حالة الحوار الهادف لخلق مفاهيم جديدة تجعل مصالح العراقيين ومستقبلهم فوق جروح وكدمات الماضي القريب أو البعيد.
إن كتاب العارف (اسرار ثورة 14 تموز) 440 صفحة، هو أحد أهم المراجع التاريخية لتلك الحقبة، وهو ينطوي على وثائق وحقائق عديدة، دافع العارف من خلالها عن الزعيم قاسم ضد التُهم التي لفقها أعداء الزعيم تلفيقاً، وهذا ما قربني من الكتاب ومؤلفه أكثر.
وعندما يذكر السيد العكيلي أخطاء أرتكبها العارف بحق مجموعة من المعلمين المناصرين للثورة، فهذا أمر يحسب عليه، ولو كانت له أخطاء مماثلة اخرى، فهذه وتلك لا تلغـي ايجابياتـه أو أهميـة كتـابه.
ولو تأمل العكيلي السطور الأولى من مقالي لعرف بأنني لست بصدد المدح أو الذم بقدر محاولتي الوصول إلى مبادئ واقعية لفهم تاريخنا القريب حيث قلت: (إذا كان تدخل الجيش في السياسة قد جلب للمجتمع العراقي مزيداً من المآسي والكوارث التي ما زلنا ندفع ثمنها الباهظ، إذ أصبح المطلب العام راهناً، هو تكريس النظام الديمقراطي والدولة المدنية كي نضع حاجزاً نـهائياً بين الثكنة والقصر الجمهوري توطيداً لسلطة القانون وصيانةً لطبيعة المهمات الوطنية للجيش بعيداً عن أوهام الزعامة التي استحوذت على العديد من ضباطه ودفعتهم إلى جحيم الانقلابات والانقلابات المضادة، الأمر الذي جعلهم هم أيضاً، وبدون استثناء تقريباً، يدفعون ثمن هذا الخطأ السياسي القاتل، ولا نعتقد بعد كل ما جرى ويجري، بأن هناك من لايزال يحلم بإعادة هذه التجربة المرة.)
أما قول العكيلي (عشنا في الايام السابقة مع الذكرى الثالثة والخمسين لثورة 14 تموز 1958 وفي هذه الذكرى تصفح بعض الكتاب والسياسيين تاريخ مسيرة ثورة تموز، فمنهم من نجح في نقل الحقائق لكونه عاش ايامها، ومنهم من اخفق في النقل لانه لم يعاصر الثورة واعتمد في نقل الخبر على السماع او قراءة مذكرات لاحدهم فيكون بذلك توثيقه للاحداث ضعيفا) وهذا يعني أن ليس من حق أحد أن يتحدث عن ثورة تموز الفرنسية أو ثورة أكتوبر الروسية أو أي حدث وقع قبل ولادته (لانه لم يعاصر الثورة أو الحدث)!
وهذا يعني تجميد عِلم التاريخ واحالة المؤرخين على التقاعد.
لقد حدثت انقسامات بين الضباط الاحرار وبين أحزاب الحركة الوطنية ونتجت عنها سلبيات ومظالم كثيرة، ويفترض فهم ما حدث بدون انحياز مسبق أو لأسباب شخصية.
فقول العكيلي (في يوم 12 /7 /2011 نشرت صحيفة الصباح الغراء بعددها (2295) مقالا للسيد كريم عبد بعنوان (اسماعيل العارف واسرار ثورة 14تموز) وبعد قراءتي للموضوع ادركت ان كاتب المقال اعتمد في تقييمه لاسماعيل العارف (وزير التربية في عهد قاسم) على مذكرات العارف في كتابه (اسرار ثورة 14 تموز) فتاثر الكاتب بتلك المذكرات كونه لم يعش فترة الثورة كما يبدو، او كان بعيدا عن مجريات مايحدث في المؤسسة التربوية من عقوبات لاانسانية ضد المعلمين الوطنيين اذ لم يتطرق في مقاله لمعاناة المعلمين والمدرسين من التسلط العسكري للعارف في وزارة التربية ولاسيما ضد من كان يحمل فكرا يساريا او ديمقراطيا) أو قوله (ان اسماعيل العارف كان عسكريا متسلطا في وزارة التربية فاستخدم الاسلوب العسكري مع المعلمين بنقل الكثير منهم إدارياً لأماكن بعيدة من المحافظات كعقوبة لهم بسبب فكرهم السياسي فكان تعامله مع الوسط التربوي غير ناجح وربما يصلح للعمل في وحدة عسكرية) هذه المسألة تطرح سؤالاً عن مسؤولية من عيّن العارف في هذا الموقع ؟!
إنه عبد الكريم قاسم طبعاً وهو بتصوري من يتحمل مسؤولية الأخطاء المترتبة على تعيين ضابط وزيراً للتربية أو (المعارف)، لقد ارتكب الزعيم أخطاء أخرى ادت إلى تقوية خصومه وإضعاف مناصريه والنتيجة معروفة، ولكن هل هذا يعني إن الزعيم كان على خطأ دائماً ولا يحق لنا أن نتحدث عن إيجابياته أو ندين المتآمرين عليه وعلى 14 تموز؟!
أما قول العكيلي (وظل المعلمون المفصولون والمعزولون على حالهم طيلة سنوات حكم قاسم ووزيره اسماعيل العارف وقد تم ارجاعهم لوظائفهم في العام 1965 في عهد وزير الداخلية المرحوم صبحي عبد الحميد ذي الاتجاه القومي اذ وافق على اعادتهم لوظائفهم دون استثناء ودون الرجوع لموافقة مديرية الامن العامة وذلك بالغائه (تحقيق الهوية) فهل كان موقف اسماعيل العارف يعادل موقف صبحي عبد الحميد لو وضع الاثنان في ميزان العدل؟)  إنه سؤال خارج السياق الموضوعي لفهم المواقف والأحداث، لأن العارف كان قومياً أيضاً، ولأن المظالم والجرائم التي أُرتكبت قبل وخلال انقلاب شباط 1963 كانت كبيرة وخارج المنطق وسوّدت سمعة النظام العراقي على الصعيد العالمي آنذاك.
فقد دفع ذلك حكومة عبد السلام عارف إلى التخفيف من تلك المظالم خصوصاً بعد أن قام (الحرس القومي) بواجبه في تحطيم الحركة الوطنية العراقية تاركاً في قلوب العراقيين جروحاً لم تندمل حتى الآن، وإلا ماذا يقول العكيلي بقرارات إطلاق سراح السجناء السياسيين وإعادة المفصولين السياسيين إلى وظائفهم التي أتخذها البعثيون بعد انقلاب 1968 المشؤوم ؟! هل كان الهدف منها تحقيق العدالة أم كسب الوقت للهيمنة على العراق والعراقيين ودفعهم إلى مزيد من الكوارث الدامية التي ما نزال نعاني منها كما يعرف السيد العكيلي ؟!
من حقنا أن نعترض على آراء أو مواقف الآخرين، ومن حقنا أن نحاورهم ولكن من واجبنا أن نميّز بين الأحزان الشخصية وبين الفهم الموضوعي للتاريخ.

حجز الفنادق

استضافة المواقع و تسجيل النطاقات

إعلان

كوت قرآن

الوسوم: ,

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

*