افتتاحية سياسية للحرب / بقلم : ساطع راجي

عندما يقول رئيس مجلس النواب “ليس لدينا مشكلة مع تقسيم العراق بالتراضي ومن دون إراقة دماء” وعندما يكون هناك من يتبنى حل التقسيم في كل مكون حتى ولو رسمت الخرائط بالدم، عندما يشك كل مكون بالآخر ويشعر ابناء كل طائفة او قومية ان شركاء القومية والطائفة في بلدان اخرى اقرب اليهم من شركاء الوطن الذين ينتمون لطوائف وقوميات أخرى، وعندما يكون هناك عشرات الدعاة للحرب وللتقسيم في كل مكون في مقابل غياب دعاة السلام والوحدة، عندما يحدث كل هذا، يكون الوطن مجرد قدر مزعج، مثل مرض يريد الجميع الشفاء منه، مثل لوزتين في حالة احتقان دائم يكلف بقاؤها كثيرا لكن استئصالها موضع تفكير لأنه يثير الرعب. المواطنون هنا غرباء عن بعضهم البعض، وغرباء عن وطنهم الى حد استنزافه وانتهاكه والتشهير به حتى في حالات ادعائهم الفخر بهذا الوطن الذي لا يجدون غير ماضيه موضوعا للفخر وهم لا يعرفون من ماضيه غير عناوين بسيطة ومعارك طائفية وقومية دامية.
القادة الرسميون انفسهم عندما يدافعون عن وحدة الوطن يفعلون هذا وكأنهم يقومون بوظيفة روتينية مملة سرعان ما يتخلون عنها في أول ارتفاع بحرارة الجدل الطائفي والقومي ليعود هؤلاء القادة الى قواعدهم الفكرية والحزبية وليتحدثوا بلسان طوائفهم وقومياتهم ويحرصون على الالتزام بتنفيذ سياسات فئوية تؤدي الى الانقسام والتحريض والاحتراب، انهم الاساس العملي للتقسيم وهذا عكس دورهم الوظيفي والسياسي، التعميم هنا مقصود ولا يمكن الحديث عن قوى وشخصيات فعالة خارج سقف هذا التعميم المؤكد بوقائع قاسية.
التوجه نحو التقسيم الانفصالي او التمهيد له بخطط لأقاليم مشوهة تتجاوز الدور الفعلي للأقلمة هو توجه خاطئ، هو جزء من الاختيارات العراقية الخاطئة المتوالية منذ اعوام، وهو لن يقود لا الى ظهور اقاليم ولا الى دول متعددة، لأن الاقاليم والدول بحاجة الى بناة وما يتوفر عندنا فصائل لصوصية تدعي العمل السياسي، هذه الفصائل في كل الاحوال لن تبني شيئا، هي تعجز عن وضع نظام داخلي لتنظيماتها والالتزام به فكيف لها ان تبني مؤسسات ودول؟!!، بهذه الصيغة نحن لن نذهب الى التقسيم بل الى مزيد من الاحتراب سواء بوجود “داعش” أو بغيابه.
من يثير الغضب واليأس هنا ليس السياسي الفاشل الذي يتبنى الدعوة للتقسيم وبناء دول جديدة بل المواطن الذي يتحدث يوميا عن فشل وفساد هذا السياسي ثم يعود لدعم رأيه في التقسيم، هذا المواطن هو الافتتاحية الدائمة لكل حرب لأنه على استعداد دائم لحمل بندقيته والاصطفاف خلف اي سياسي غاطس في الفشل والفساد، هذا المواطن هو عقدة هذه البلاد، الساسة يأتون ويذهبون، بالموت بالاغتيالات بالانقلابات بالانتخابات بالاحتلالات بضربات القدر، لكن يبقى المواطن الذي ينقل لأبنائه واحفاده شهوة القتال في كل الخنادق وعندما لا تكون هناك معركة بالأسلحة يصف اي عمل بأنه معركة (معركة الانتخابات، معركة البناء والاعمار، المعركة الاعلامية،..).
هذا المواطن مجنون بعشق السلاح ولا يطرب مثلما يطرب لصوت الرصاص او لأغنية قتالية ولا يفخر بشيء مثلما يفخر بـ(طك الفشك) وعندما لا يجد عدوا يواجهه يتخيل هذا العدو ويبدأ بتسديد الضربات، عبر الانتخابات او الاهازيج، هذا المواطن مصر على القتال رغم انه مهزوم في كل المعارك التي يخوضها منذ عقود.
الاطاحة بالمواطن المدمن على القتال وظهور مواطن مسالم يؤمن بالعمل والسعي في الارض لإعمارها يكاد يكون هو التحدي التاريخي الذي يعني الوصول الى افتتاحية للسلام، لكن السؤال هنا: هل السلام هدف فعلا في هذه الارض؟.
كل الخطاطات السياسية (هي ليست مشاريع ولا حتى خطط) التي تحملها التنظيمات الحاكمة والمعارضة تبشر بمستقبل طويل من المعارك، السلام ليس هدفا في اي منها، وهذه المعارك بلا اهداف حقيقية هي غالبا نتيجة لأحلام مريضة عن السيطرة على العالم، احلام تعيش في أزقة تغرق بالمياه الآسنة وتحاصرها النفايات، وتتمنى زوال كل من يختلف معها، المواطن ينتخب هذه الخطاطات الدموية ويدافع عنها، وتغيير هذا المواطن سيكون هو الافتتاحية السياسية للسلام وهو ما لن يحدث قريبا سواء بالتقسيم أم بدونه.

حجز الفنادق

استضافة المواقع و تسجيل النطاقات

إعلان

مقالات ساطع راجي

الوسوم: ,

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

*