اعتذار مشرّف ( علي شايع

حين تتقدم الدولة بصفاتها التعريفية كمؤسسات إدارية وتنفيذية باعتذار للشعب، فأن هذا يمثل نقلة مدنية كبيرة، وخاصة حين يصدر مثل هذا الاعتذار من المؤسسة الأمنية الأولى للبلد، فمن درسوا المشكلة العراقية في عهدها الحديث رأوا أنها مشكلة بطابع أمني، طبع البلاد بمظاهر وسلوكيات أصبح من الصعب تجاوزها، أو العبور على تفاصيلها دون إعادة لقراءة المشهد كاملاً، ومحاولة إعادة تنظيم الكثير من القيّم والأنماط والسلوكيات العسكرية، ووضعها في سياق قانوني بعيد عن سياسات الترهيب المتّبعة طيلة عقود طويلة. ولعلّ أهم منجز حققته وزارة الداخلية في تاريخها الحديث ما أقدمت عليه مؤخراً – بمناسبة عيد الشرطة- من اعتذار  للشعب العراقي باسم جميع منتسبيها عن فترة حكم البعث وما أرتكب من جرائم تحت راية الوزارة، وهي خطوة مهمة وواعية وفي صميم الرهان على الديموقراطية والدولة المدنية، فالاعتذار يعني في وجهه الأهم التزاماً أخلاقياً جديداً للداخلية، سبقتها فيه وزارة الدفاع، ليصبح تأسيساً لمفهوم جديد.
لعلّ الاعتذار يرفع عن اسم شرطتنا ما راكمته السنوات من رعب وعنف، ولعلّ المشهد الجديد للشرطي الساعي – أصدق من الشعار- إلى خدمة الشعب وتحقيق مصالحه والحرص على حقوقه، شرط واجب مرتبط بأداء قـَسم التوظيف، وما يفرضه من شرف كبير يمتد بالضرورة ليشمل كل استحقاق وغاية مدنية تعود على عموم الشعب بالأمن والاستقرار، وهو ما يركّز لحقيقة التغيير في البلاد، وتنمية ثقافة الاعتذار المؤسساتي والاعتراف بالخطأ.
ربما يشير اعتذار وزارة الداخلية بوضوح إلى إن المؤسسة العراقية الجديدة أصبحت تتحمل تبعات الماضي ويتعاظم في ثنايا مسؤوليتها واجب بناء المستقبل الأفضل، وبالتأكيد فان مثل هذا الاستعداد يحتاج إلى بسط تام لسيادة القانون وتطبيقاته، وهو ما لا يتوفر بشكل يضمن للجهات المسؤولة فسحة الخلاص من ثقل الإعتذارات، والأمثلة كثيرة، لكنّ مثالاً واحداً ربما يلخص عناء المشهد الأمني وبأقسى صوره، حيث تحصل خروقات أمنية متواصلة يرتكب الجناة ضمنها جرائمهم وهم يرتدون الملابس والتجهيزات العسكرية (أو ملابس الشرطة)، ليضربوا وبقسوة صميم الجهد الأمني، باتجاه نزع الثقة عن المؤسسة عبر التستّر بزيّها ووثائقها التعريفية، وتبديد منجزها الإيجابي، فظاهرة انتشار بيع ملابس وتجهيزات عسكرية في الأسواق العامة لازالت تنتشر بكثرة وتشكّل لمناخات تستثمرها الجهات الإرهابية لتنفيذ مخططاتها.
قبل الانتهاء من كتابة هذه الكلمات كنت أتواصل مع أحد الأصدقاء وحكيت له عن انشغالي بالموضوع، وتفهّمت تماماً ضحكاته وهو يروي حكاية غريبة عن عصابة أسست في وقت سابق مدرسة تدريب عسكرية كاملة، وفّروا فيها مكاناً عابراً للتدريب جهّز بملابس ومستلزمات عسكرية، وكان التزوير طابعهم في كلّ شيء، وغايتهم نهب أموال متطوعين مخدوعين كانوا يدفعون لمحتالين فرّوا خارج العراق بملايين الدولارات، فهل من اعتذار يشفع؟

.

حجز الفنادق

استضافة المواقع و تسجيل النطاقات

إعلان

الوسوم:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

*