استدراج الفرائس / بقلم : محمد الحداد

لا مفرَّ لنا أحياناً من الصدماتِ كي نصحوَ من نشوةِ ثمالتنا ونكسرَ بلادة الكسلِ الذي يشيع صدأهُ في أرواحنا وأجسادنا على السواء..لا مناصَ من تلقي حُصصنا المجانية من صفعاتِ الحياةِ الموجعة لأنها جديرةٌ لوحدها بأن تفككَ أوصالَ الخدَرِ وتحثنا على الانتباهِ لنواصلَ المسيرَ من جديد..
كأن لتلكما الصدمات والصفعات قدرات متفردة تمنحنا فرصاً مجانية لتلقّي دروساً إضافية في الحكمةِ والعبرةِ والصبر وتنظم لنا باستمرار جلساتٍ إجبارية مع النفس لنعاودَ معها مراجعة حساباتنا ونصلَ بسرعةٍ إلى اليقين الذي تفرضهُ علينا أقدارنا
المرسومة.
قد يبدو غريباً هذا الذي نقولهُ أليس كذلك؟ فمن سيقنعُ أن تصبَّ الحياةُ عليهِ جامَّ غضبها وتنهالَ ضرباتها الموجعة فوق رأسهِ فقط من أجل أن توقظهُ ثانيةً من رُقادهِ الطويل؟ لأنَّ حكمة التسليم بنوازلِ الدهر وأقدارِ الحياة سيكونُ طعمها حينئذٍ أكثر مرارة من مرارةِ تلك النوازلِ نفسها.
لكنَّ أسوأ ما في الأمر أنَّ ذلك كلهُ يحصلُ بالفعل وبكثرةٍ مفرطة وربما تلك صدمة إدراكٍ أخرى جديرة بأن نضيفها إلى سلسلةِ صدماتنا المزمنة..
اليوم أمامنا مثالٌ نموذجي لمفهوم تلك الصدماتِ أو الصفعاتِ التي لا بدَّ منها..مثالٌ لا يزالُ طازجاً لدرجةٍ تؤهلهُ أن يُفسّرَ كلَّ ما سبق لنا قوله..
وهو ما تعرضتْ لهُ الأردن من حادثةٍ مُروّعةٍ تمثلتْ بقيام تنظيم «داعش» بإعدام الطيار معاذ الكساسبة. كان ذلك الفيلم المرعب لوحدهِ كفيلاً بإدخالِ الأردن قسراً إلى أتونِ حربٍ ارتدتْ فيهِ البلادُ مرغمة ثيابَ ثأرٍ حاولتْ طويلاً ألا تلبسهُ ونأت بنفسها بعيداً كي تكونَ بمأمنٍ من حرائقهِ لكنَّ ما حدثَ كشفَ بوضوحٍ عن حجمِ الخطط الماكرة التي ينتهجها تنظيم «داعش» وأثبتَ حقيقة أنهُ يعمَدُ بالفعل إلى رسمِ خرائطَ أطماعهِ بيدهِ ويحددُ أهدافهُ بدقةٍ ثم ينقضُّ على فرائسهِ بعد ذلك.
ذلك الفيلم أثبتَ لنا أيضاً أنَّ مقتلَ رجلٍ واحد من أيِّ بلدٍ يمكنُ أن يُدخلَ هذا البلد بأسرهِ حرباً مفتوحة سيدعمها الشعبُ تلقائياً من أجل الانتقام والثأر أو على الأقل لحفظِ ماء الوجهِ واستعادة كرامة البلاد..
وهي تحديداً النتيجة النهائية التي يريدُ تنظيم «داعش» أن يصلَ إليها بمعنى أنهُ يحاولُ أن يستدرجَ بعض الدول ليجرّها لشِراكِ حربٍ هو الذي يختارها وفق ما تقتضيهِ مصالحهُ وأهدافهُ وهذا ما حصلَ مع الأردن وما يحاول التنظيم المتطرف جاهداً أن يحققهُ في مصر وليبيا وتونس وبعض دول الخليج
أيضاً..
بل ربما تكادُ تكون هذهِ ميزة كلّ الحروبِ التي خاضها «داعش» حتى الآن..
بهذا التكتيك الماكر قذفَ «داعش» بالدولة الأردنية قسراً داخلَ دوامةِ صُداعٍ مزعجة وجعلها تعيشُ حالة استنفارٍ قصوى لم تشهدها البلادُ منذ عقودٍ منصرمة مع خشيةٍ كبرى أن يستطيلَ الزمنُ بأزمةٍ محتملةٍ كهذهِ فتُستنزفَ قدراتها وتنهكَ مقدراتها فتراتٍ طويلة بطولِ حدودها المفتوحة على جبهتي الرعب العراقية والسورية معاً.
وإذا كان هذا المنزلق الخطير قد رتّبَ لهُ تنظيمُ داعش بدهاءٍ محسوب فإنهُ مَثلَ للأردن خياراً مصيرياً لا مفرَّ منهُ رغم أنَّ ردودَ الأفعال الأردنية حتى الأولية منها إزاءَ ذلك التحدي المصيري الخطير بدتْ للكثيرين وكأنها متواضعة جداً وتحملُ سماتٍ دفاعيةٍ متوجسة ولا أجدُ غرابة في ذلكَ أبداً بالنظرِ إلى إمكانياتِ البلاد المتواضعة اقتصادياً وعسكرياً.
شهورٌ عديدةٌ مرّتْ حتى الآن على تلك الحادثة لكنها كانت ضرورية جداً لامتصاصِ صدمةٍ مُروعة مثل هذه اتخذ فيها الأردن موقفاً أوضح ما يمكنُ أن يُقالَ عنهُ أنهُ كان متعقلاً ومنضبطاً ومسؤولاً بل ومثمراً أيضاً لأنهُ من جهةٍ جاءَ متسقاً تماماً مع إدراكِ الأردن العميق لحجم التحدي الكبير الذي يتهدده..
ومع وعيه التام بشروط اللعبة كلها وموقعه بين اللاعبين في موازين القوى الدولية من جهةٍ أخرى..
ولأجلِ كلِّ ذلك اختار الأردن أن يقفَ بالمنتصفِ تماماً أي في منطقةِ أمانٍ نسبي يجعله يوازنُ فيهِ بين مطلبين مُلحّين الأول أن يمتصَ غضباً شعبياً عارماً طالبه بالثأر بوضوحٍ وبقوةٍ لمقتلِ ابنه الذي يمثلُ رمزاً لهيبةِ البلادِ
وكرامتها..
والمطلب الثاني أنَّ الأردن لا يريدُ أن يبدوَ وكأنه وقع بالفعل أسيرا لشِراكِ «داعش» واستُدرِج لمخططاتهِ بمنحه إياهُ ذريعة كان ينتظرُ من الاردن ان يقدمها لهُ..
ذريعة كانت ستمثلُ للتنظيم في أيِّ وقتٍ فرصة تاريخية ثمينة في أن يجرَّ الأردن إلى حلبتهِ الملتهبة ويفتحَ لهُ فيه جبهة جحيمٍ جديدة تمثلُ امتداداً مهماً في العمقِ الستراتيجي للجبهتين العراقية والسورية..وهو المشروع الذي انكفأ كثيراً لحسنِ الحظ وتعطلَ تحقيقهُ بالنظرِ إلى حجم الضربات القاصمة التي باتَ التنظيمُ يتلقاها في كلِّ
مكان.
إجمالاً يمكننا القول أنَّ موقفَ الأردن إزاءَ محنته هذهِ مع «داعش» اتسمَ حتى الآن بحكمةٍ عاليةٍ كان الموقف يتطلبها تماماً ومع ذلك فقد بذل الأردن جهوداً واضحة لا يمكن تجاهلها في تأمين حدوده الطويلة التي تمتدُّ مع العراق وسوريا معاً إلى 566 كم مع صعوبة تلك المهمة وجسامتها ورغم المحاولات المتكررة لتسلل تنظيم «داعش» إلى داخل البلاد حتى لو بدتْ تلك الجهود الكبيرة ضمن سياقها الطبيعي الذي يمليهِ عليها واجب الحفاظ على سيادةِ البلاد وأمنها لكنها تحملُ قيمة مضاعفة كونها تأتي متفاعلة بشكلٍ أكبر مع حجم الكارثة الحقيقية التي يريد «داعش» أن يورّطَ الأردن بالدخول إلى جحيمها.
لكنني أخشى أنَّ ذلك كلهُ سوف لن يغيرَ كثيراً من سيناريو الرعب الذي ينوي «داعش» أن يلعبهُ في المنطقة ولو بعد حين لأنهُ من المحتم جداً أن يكون الأردن داخلا تلقائياً ضمن جغرافيا الأطماع الأخطبوطية المهمة وسط الرقعة الداعشية الكبرى التي رسمها التنظيم ويحلمُ بأن يراها مجسدةً على الأرض في امتدادهِ السرطاني الخبيث داخل الجسد
العربي.
لذا فان الأمر يبدو أكبر وأبعد من مجردِ تضارعٍ معنوي ضمن حسابات الثأر والانتقام وأخطر من ذلك أيضاً..
ولعلَّ رسائلَ التهديد التي أعادَ تنظيم داعش إيصالها إلى الأردن مراراً وتكراراً بعد حادثة إعدام معاذ الكساسبة خير دليل على جدية ذلك التحدي وهو يثبتُ أنَّ الخطرَ الأكبر الذي يتهددُ الأردن ربما لا يزالُ قائماً رغم تأخر
وقوعهِ.
عَودٌ على بدءٍ يمكننا أن نعدَّ كارثة حرق الطيار معاذ واحدة من النماذج الحية للمِحن الجِسام التي تهبُ معها دروساً عملية مهمة لها القدرة على أن تفتحَ لنا دائماً أبواباً مشرعة من أملٍ جديد نراجعُ فيهِ أخطاءنا وتقاعسنا مرةً بعد مرة.
هي نظرةٌ جانبية لزاويةٍ أخرى من ذاتِ الصورةِ المرعبة نتأملُ فيها ما يمكنُ أن تمنحهُ إيانا صدماتُ الحياة وصفعاتها الموجعة وهي تطردُ من أعيننا ماردَ النومَ في أشدِّ لحظاتِ الألمِ والخسارةِ واليأس فتغرينا بالنهوضِ من
جديد.
ورغم كل ما في تلك الصورة من قسوةٍ مُفرطة لكنها تخفي وراءها ثمراتٍ يؤجَلُ قِطافها إلى غدٍ قريب..ثمراتٌ نعرفُ أنها مكلفة جداً لأنَّ ثمنها أرواحٌ ودماءٌ ومواجع.
وبجانبِ تلكَ الثمراتِ التي تنتظرُ قِطافها ثمة صورة أخرى قاتمة كما يمكنُ أن تلتقطها عينُ واقعنا الذي يوشكُ أن يغرقَ إلى أذنيهِ وسطَ كلّ هذه الأمواج المتلاطمة من اليأسِ والخوفِ والخيبة..واقعٌ لم يعدْ يهبُ لنا إلا يقيناً حاسماً لا يقاربهُ شكٌّ أبداً بأنَّ السلامَ طائرٌ باتَ بعيداً جداً عنا وربما ضلَّ طريقهُ إلينا وسط هذا الظلامِ المُعتم واختفى من بلداننا تماماً وإلى الأبد..ظلام لم نعدْ نسمعُ فيه إلا غربان الموتِ وهي تُحلقُ فوق رؤوسنا وتنتظرُ المزيدَ من فرائسها القادمة.ألم تشمّوا رائحة رُفاتنا بعد؟.

حجز الفنادق

الوسوم:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

*