أي استقرار سياسي نريد؟ ( شاكر الأنباري

تجارب الشعوب تقول إن الاستقرار يشكل الأساس لإدامة حياة طبيعية ومتطورة. والتجربة الأوروبية تؤكد هذه المقولة بجدارة.. فترات السلم الأهلي الممتدة عقودا من السنين، كان لها الدور الفاعل في بناء ديمقراطيات  واثقة من نفسها، لها تقاليدها، في التداول السلمي للسلطة، ومراجعة الأحزاب لبرامجها، واختفاء أحزاب او نشوء أخرى جديدة.. وهذا بالتأكيد ينعكس مباشرة على المجتمع ذاته. 

نحن في العراق لم نعش استقرارا، حتى لو كان نسبيا،  منذ أكثر من ثلاثين سنة، وهو ما نلمس نتائجه اليوم في البيئة العراقية،  على مستويات المجتمع، وتطور العلوم والثقافة، والمؤسسات السياسية. شاهد الجميع تآكل الهوية الوطنية بسبب اللااستقرار ذاك، وعادة ما تعمل الحروب والتشنجات المفاجئة في المجتمع على تقطيع الروابط العامة بين الأفراد اولا، وبين المؤسسات ثانيا. سنوات الحروب، على سبيل المثال، حولت البلد الى ثكنة عسكرية، بمعنى انهيار أغلب المؤسسات المدنية او تحولها الى تابع للمؤسسة العسكرية. والكل ظل تحت سطوة قوانين طوارئ غير مرئية. كل شيء من أجل المعركة كان هو الشعار الذي هيمن على العراق طوال ثلاثين سنة. وبما ان القضاء جزء من بنية الحياة المدنية في أي مجتمع، يترتب على عدله ونشاطه واستقلاليته انضباط أغلب نشاطات الانسان، وهو ما لم يكن موجودا بصفته تلك خلال سنوات الحروب، والقمع، والهجرات، والالغاء، والتهميش، لذلك ارتدت مناحي الحياة الى عناصرها الأولى، أي الى الانتساب العشائري والطائفي والمناطقي، مما كان له الدور الفاعل في خلخلة الهوية الوطنية. 

في تجارب الشعوب المستقرة، الغربية خاصة، والصناعية عموما، كان ثمة تعويل كامل على شد البلد، بعضه الى بعض، بسوق وطنية واحدة، وبقوانين مدنية واضحة، واستقلالية السلطات، وحرية رأي، وحرص على حقوق الانسان الأساسية، وتوحيد مناهج التعليم، وما الى ذلك من مقومات تديم، وتحافظ، على هوية ملموسة. ولكن كل ذلك لم يكن ليتم دون استقرار نسبي طويل، استطاعت الشعوب عبره، وعبر معالجة الأخطاء والنواقص في المؤسسات والقوانين، من النهوض بمجتمعاتها للوصول الى حالة متطورة من الرقي. استقرار المؤسسات هو الذي دعم الاستقرار السياسي. والملاحظ اليوم لدينا ان ثمة ظواهر كثيرة في المجتمع العراقي ما زالت فاعلة في كسر تناسق الهوية الوطنية، وفي تشظيتها، البعض منها كان متراكما منذ عقود، ونتج عن الحروب المتلاحقة، والاستفراد بالسلطة، والتمييز القومي والطائفي. والبعض نما، واشتد عوده، في الحقبة التي اعقبت انهيار النظام السابق، ودخول قوات أجنبية الى البلد، وتصاعد وتيرة الارهاب لإعاقة التحولات الجديدة التي حدثت. كان لنمو الارهاب، وتصاعده في أكثر من محافظة، دور في تفتيت اللحمة المكانية، وقطع الروابط بينها، سواء كانت تلك الروابط اقتصادية او اجتماعية او سياسية.الارهاب كما هو معروف، رؤية متطرفة لقراءة وضع، أو مرحلة تاريخية غير مألوفة، ربما من هنا لم يستطع التحول، أي الارهاب، الى مقاومة رغم وجود قوات أجنبية. ولم يلق الإجماع الوطني، بل اقتصر على بعض الحواضن هنا وهناك.

 بينما نشأ عن تصادم المكونات، خلال عملية التبلور والصراع على السلطة والثروة، انشراخ عميق ما زال قائما في بنية الهوية الوطنية. اما الفوضى في القوانين والتشريعات، ولنقل غياب القوانين في الفترة القريبة، فقد أرجع الفرد، والجمهور، في كل بقعة من بقاع الوطن، الى المكونات العتيقة للجنس البشري، قرابة الدم والعشيرة وما يلحقهما من انتماءات ذات صفات قطيعية أحيانا. ولعل وجود قوة محتلة، كانت تمتلك  اليد الطولى على الأرض، هو ما ألغى وجود قانون ينطبق على الجميع، اضافة الى تباين وجهات النظر فيما بين المكونات حول القانون، والدستور، والهوية، وغير ذلك من مفاهيم. 

ان القمع السابق، وامتداداته، أسقط مفهوم الوطن في دائرة مفهوم المكونات، لعدم قدرة المرحلة السابقة من نحت هوية المواطنة المتساوية في الحقوق والواجبات. ان وجود مؤسسات مثل السلطة التشريعية والقضائية والتنفيذية، منتخبة، ومقبولة جماهيريا، هو ضمانة للاستقرار أولا، وضمانة ثانيا لخلق بيئة فكرية، سياسية، تبلور مشتركات عامة يسير عليها البلد. وهذا بالتالي، يرسخ مفهوم المواطنة ويشرعنه.

 والاستقرار، كما هو معروف، لا يشمل الأمن فقط بل يمتد الى شبكة من الحوامل داخل الدولة والمجتمع. على رأس القائمة هو الاستقرار الاقتصادي، حين يستطيع أبناء البلد، في المحافظات كافة، ايجاد فرص عمل متكافئة، والخضوع لقوانين عمل، وضمان، ومساعدات اجتماعية، تكفل عيشا كريما للأسرة. والاستقرار الوظيفي ملحق مهم من ملحقات الاستقرار ااقتصادي. 

وهناك الاستقرار الأمني وذلك بفرش طقس الأمان في كل بقعة من بقاع الوطن، اذ ان ثمار الأمان ستتمثل بالنشاطات الاجتماعية المؤثرة، والعلاقات المتحضرة السلسة، وحب الحياة، والبحث عن مستقبل أكثر تفاؤلا. والاستقرار مثل شبكة خفية تسري في زوايا الحياة، وتمتد في مناهج التعليم، والسياحة، والانفتاح على الآخر، والتأسيس لزراعة متطورة ومتنوعة، وصناعة تغطي احتياجات الأفراد قدر الإمكان.

 فوق كل ذلك تخطيط محكم لإدارة الموارد البشرية وتوزيع الثروات ورسم خطط مستقبلية للمجتمع. تخلخل الهوية الوطنية يمكن ملاحظته في تلك الزوايا بأجلى ما يكون، منذ اسقاط النظام وحتى اليوم. 

في المجتمعات غير المستقرة لا يمكن التخطيط بشكل صحيح، ودقيق، للزراعة والصناعة والتعليم والصحة والسياحة، اذ أن الظروف القلقة هي التي تتحكم بما سينجز على الأرض. وكان لدورة العنف اثرها البالغ في نسف أي تخطيط، لأي شيء، في البلد. وما نلاحظه من فوضى سياسية حاضرة، لا يمكن فصلها عن تشظي القاعدة المتينة للنخبة السياسية، أي الاستقرار المجتمعي، الاستقرار غير الناجز، كون صراع المكونات ما زال مستعرا. والاستقرار لن يحصل في السنوات المقبلة، الا بعد ان تكتمل عملية الدمج، والفرز، والغربلة، للوصول الى هوية واضحة تكون حتما هي الهوية الجديدة لعراق ما بعد ألفين وثلاثة.

الوسوم:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

*