أين أنتم من كردستان؟ ( عارف الساعدي

أعرف جيداً إنَ عدداً كبيراً من المثقفين والاعلاميين العراقيين يتعاطفون كثيراً مع تجربة كردستان الفتيِة، وربما هناك جذور تاريخية لهذا التعاطف، قد يكون الجواهري واحداً من أهم دعائمها عندما غنى لكردستان فقال:
قلبي لكردستان يهدى والفم
ولقد يجود بأصغريه المعدم
كما أننا نعرف  كيف تحول الجبل إلى أبٍ حنون لعددٍ كبيرٍ من الهاربين، من جحيم المنظمة السرية، وكيف اختلطت نسائم كردستان مع أحلام أولئك الفتية، حتَى أصبحت الكهف الذي آووا إليه، ولكنهم لم يناموا أبداً حتَى انهارت تلك المنظمة في 2003.
نعم لقد انهارت تلك المنظمة، ولكن العراق جرى تحويره كثيرا ليكون على مقاس فلان ووزن علان، وهكذا امتدت السنوات والعراق غنيمة المتحاصصين عربا وكردا، والأحزاب هي عراب تلك المحاصصة التي أنتجت أنصاف المتعلمين، وأنصاف السياسيين، ولكنها ــ  للاسف ــ لم تنتج حتى نصف بلد، لكن الذي ظهر جليِاً بعد 2003 هو حرية التعبير، فنجد عدداً كبيراً من اعلاميي العراق ينتقدون بصوتٍ عالٍ أداء الحكومة والبرلمان، ويشتمون «براحتهم» حتى إنَهم شكلوا ظاهرةً أقلقت السلطات، كما إنَهم يُعدُون قادةً لصناعة الرأي العام.
إنَ هناك عدداً كبيراً من الناس يثق بهم لأنَهم صوتهم في كل شيء، فهم مُتابِعون بشكلٍ ممتازٍ كلَ حركات المسؤولين وسكناتهم في الدولة، فلا يفوتهم تعليقٌ لنائب، أو مسؤول إلَا وأصبح ــ بعد دقائق ــ لافتةً عريضةً، ومادةً دسمة للكتابة، وهذا أمرٌ مهمٌ جداً يجعل من المسؤولين أكثر انضباطاً وأكثر خوفاً من الصحافة أو الإعلام.
أقول هذا الكلام وأنا أبحث الآن عن هذه الأسماء، وهم أصدقائي جلهم، حيث أتابع ما تمر به كردستان، وكيف تكمم الأفواه، ويُقطع الانترنت، ويُمنع رئيس برلمان الإقليم من الدخول إلى أربيل، ويُطرد الوزراء التابعون لكتلة التغيير أيضاً، فضلاً عن أحداث القتل والاصابات الكبيرة، وإحراق مقرات الحزب الديمقراطي في السليمانية، وتشبث السيد «مسعود بارزاني» برئاسة الإقليم، ورائحة الفساد التي لا تقل عن فساد بغداد، وسيطرة العوائل على المال والسلطة، أبحث عن أصدقائي الإعلاميين وكتِاب الأعمدة وأصحاب الرأي، أين أنتم من كل ما يحدث في كردستان؟ هل سمعتم بالأمر أم ماذا؟ اقنعونا نحن أصدقاءكم  أو قراءكم  الذين نقرأ لكم يومياً، أنتم يا من تجعلون من تصريح نائبٍ أو نائبة لا قيمة لهما مفتاحاً لمقالاتٍ كبرى.
كيف تسكتون عمّا يجري في كردستان؟! أنا أقدَرُ الحرج الذي أنتم فيه، ولكنْ هذا شأن المؤسسات غير المستقلة، فلا تلوموا أحدا ــ بعد الآن ــ من يدافع عن المالكي او النجيفي او طارق الهاشمي، أو من يسكت عن فساد احد ما،  كنتُ أظنُ أنَكم أكبر من المؤسسات، لأننَي مؤمن بأنكم تقولون الحقيقة دائماً، ولكنْ ــ هذه المرة ــ  لا أعرف!!. أتمنى أنْ تخيِبوا ظنَي فأقرأ لكم شيئاً عن كردستان، وجوعها، وفساد أحزابها، وصراعهم على الغنائم والمناصب، خيبوا ظني أرجوكم.

حجز الفنادق

استضافة المواقع و تسجيل النطاقات

إعلان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

*