أوهام اللجوء ( علي شايع

بعد سنوات من اغترابه في النمسا عاد أخي طواعية الى العراق، وفي نقاش بيني وبينه قلت له: أستطيع فهم قرارك بالعودة، فـ(الحجاج بن يوسف الثقفي) – طاغية زمانه – كان يقول: لولا فرح الإياب لما عذبتُ أعدائي إلا بالتغرب.
سيقول البعض: كلامك محض لغو (بطران) لا يدري ماذا نلقى وماذا نجد في عذابات يومنا العراقي!. وسأتّهم باقسى وأبشع الصفات؛ تماماً مثلما تلقيتها من شاب يفكر بالهجرة، ساعة سألني عن امكانيات الهجرة المتاحة في أوروبا، وعن البلدان الراغبة باستقبال طالبي اللجوء؟!. كانت اجابتي صميمية وفي منتهى الواقعية، وعن تجربة شخصية، الأمر الذي وجده الشاب الطموح تعكيراً لمزاج أحلامه وتثبيطاً لهمة آمال رسمها لمستقبله.
ما قلته له كان واقعياً وبعناية شديدة، فالمسألة تتعلق بمصير إنسان يثق بي وبما أقول، وبالنتيجة سينقل جوابي على سؤاله الى جميع من يعرفهم ويحاورهم، وبالأخص مع وجود مجموعات و(كروبات) في وسائل التواصل الاجتماعي، شكّلها بعضهم للبحث بمواضيع اللجوء والهجرة، ومن يدخل في أجوائها وعالمها سيرى العجب العجاب من أخبار المحتالين ومكائد المهربين.
قبالة احلام شاب يبحث عن الخلاص، ومع شيوع أخبار عن وجود فسحة أمل باستقبال بعض البلدان للاجئين، سيكون من الصعب اقناعه بضرورة التحري التام عن الحقيقة، فلن يصدّق أي شيء يخالف ما يطمح له، وسيعتبر الحديث خارج هذا السياق فلسفة (وطنية) لا يحتاجها أصلاً!. وربما أعجز عن ارشاده، لكن شيئاً واحداً سيجعله يصدق إن أكثر ما يشاع عن الاستعدادات الشعبية الأوروبية! لإستقبال اللاجئين بهذه الكميات، مجرد أكاذيب وافتراءات، حين أحيله لشهادة رجل صاحب تجربة، قضى سنوات في رحلة تجوال يائس بحثاً عن لجوء، هذا الرجل هو أخي الأصغر، وأنا أكثر الناس تفاعلاً مع قضيته ووقائعها، وأعرف أدق التفاصيل عن اغترابه الصعب مروراً ببلدان كثيرة، ووصولاً الى النمسا، حيث رفض طلب لجوئه لأكثر من مرة، وعاد طواعية الى العراق
الغريب إن أخي  يتابع باستغراب الشائعات القائلة بأن النمسا غيرت سياساتها في استقبال اللاجئين، فهو يجيد اللغة الالمانية ويستمع للأخبار منذ وقت طويل، ويعلم أكثر من غيره تفاصيل دقيقة عن ما يدور بخصوص ملفات اللاجئين، وسبق له أن قدّم طلباً في المانيا هي الأخرى ورفض طلبه، وليست القضية شخصية وتخصه لوحده ولكنه قرار شمل الكثيرين، والموضوع مرتبط بطبيعة التحولات في أوضاع المهاجرين عموماً، والصعوبات التي تعاني منها أكثر بلدان الاتحاد الأوروبي بسبب الأزمة المالية.
الأهم من كل هذا والذي يجهله أكثر المندفعين في قضية اللجوء العشوائي، إنهم يتابعون الوقائع الجارية في أوروبا ويعاينون النقاشات بين مؤيد ومعارض لموجات اللجوء الكبيرة عبر الإعلام، وتلك مسألة لا تؤثر أو تغيّر من طبيعة ما يدور في الأروقة السياسية، فالمسألة محسومة وفق خارطة المشهد السياسي في الشرق الأوسط ومناطق التوترعموماً، بمعنى ان المشرّع الأوروبي يعرف البلدان التي يستحق القادم منها قبول اللجوء، وبالطبع الوضع في العراق بالقياس مع بلدان أخرى أفضل حالاً، وستركن ملفات القادمين منه قيد الانتظار الطويل، وهو ما كابده أخي لسنوات حتى قرّر العودة الطوعية، وبعد أن وجد نفسه لا يستطيع تحمل الانتظار؛ غريباً بلا عمل.

حجز الفنادق

استضافة المواقع و تسجيل النطاقات

إعلان

الوسوم:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

*