أموال الفقراء المهدورة / بقلم : طارق رسن

في نهاية العام 2005 ولد برنامج شبكة الحماية الاجتماعية لمساعدة الشرائح الفقيرة في المجتمع العراقي ورفع مستواها المعيشي ولو بدرجة ما، لكن للأسف فالبرنامج ولد أعمى لا يميز بين الفقير المستحق لللأعانة وبين ميسور الحال أو الموظف الفاسد.. بسبب افتقاره للآلية الصحيحة، ولعدم وجود قاعدة بيانات موثقة للمستحقين، والحكومة التي سن البرنامج في عهدها تتحمل جزءا كبيرا من هذه المسؤولية . ومنذ ذلك الحين ووسائل الإعلام تكشف لنا بين الحين والآخر عن أرقام مهولة لمتطفلين ومتجاوزين على حقوق الفقراء، وللأمانة والموضوعية فأن معظم هذه الأرقام تصدر عن دائرة المفتش العام في وزارة العمل والشؤون الاجتماعية، وهذا دليل على الشفافية والمصداقية التي تتمتع بها الوزارة، وليت الوزارات الأخرى تحذو حذوها في كشف حالات الفساد التي تعاني منها مؤسساتها. بالأمس القريب صرح السيد حميد الزيدي المفتش العام في وزارة العمل وحسب قناة الحرة عراق (باختلاس مبلغ يقدر بـ 18 مليار دينار عراقي بدائرة الرعاية الاجتماعية ودائرة البريد في نينوى) وأضاف إن هناك (نحو 48 ألف معاملة مستلمة من محافظة نينوى ومصادق عليها من المجلس البلدي معظمها أسماء وهمية ولا تستحق رواتب الحماية الاجتماعية) !!. وأتساءل لماذا لم تستثمر الحكومة العراقية هذه الأموال الضخمة في تأهيل المعامل والورش الإنتاجية… لكي تستوعب العاطلين عن العمل من الذكور والإناث والاستفادة من طاقاتهم بدلا من هدرها بهذه الكيفية ؟ بل لماذا لم تتخذ الإجراءات المناسبة لوقف العمل بالبرنامج المذكور لحين وضع آلية جديدة محكمة وتنظيفه من اللصوص الذين عاثوا فيه ظلما وفسادا ؟ لربما هناك من يقول إن الفقراء سيتضررون من هذا الإجراء، ولكن الفقراء هم أشد المتضررين من استمرار العمل بمثل هكذا آلية، بسبب ان البرنامج لا يشمل كل الفقراء والمحتاجين بالمنحة المالية، كما هم مشمولون كلهم بالحصة التموينية مثلا، فضلا عن أنهم يمثلون نسبة قليلة بالمقارنة مع المتطفلين وغير المستحقين، وهذا من شأنه أن يبعث في نفوس الآخرين ممن لم يسعفهم الحظ بتسجيل أسمائهم أبلغ مشاعر القهر والإحباط، خاصة وهم ينظرون بحسرة إلى حقوقهم وقد أصبحت نهبا لضواري الفساد تنهش بها بلا رحمة. لقد أصبحت دائرة المفتش العام في وزارة العمل منهمكة في الكشف عن الأسماء الوهمية والمزورة وعن أسماء لموظفين ومتقاعدين وميسوري الحال… وبتشكيل لجان تحقيق بالأموال المهدورة ومحاولة إعادتها إلى خزينة الدولة (هذا إذا استطاعت إعادتها) ثم إدراج أسماء جديدة ليتبين لها فيما بعد إنها غير مستحقة، وهكذا فهي تبقى تدور ضمن حلقة مفرغة تستنزف جهودها وإمكانياتها. ومع هذا الاستنزاف الكبير للأموال فأننا نسمع أحيانا من بعض السادة أعضاء مجلس النواب وهم يطالبون بزيادة رواتب شبكة الحماية الاجتماعية، وكأنهم لا يعلمون بأن معظم هذه الرواتب تذهب إلى غير مستحقيها !. لقد آن الأوان لوقف العمل بهذا البرنامج بعدما ثبت أن سلبياته أكثر من إيجابياته، وانه أخفق في تأدية وظيفته بالشكل الصحيح الذي يخدم الشرائح الفقيرة، فليس بكارثة أن نفشل بتطبيق قانون معين، ولكن الكارثة الكبرى تحدث عندما نصر على العمل بنفس القانون رغم معرفتنا بفشله وانحرافه عن مساره.

حجز الفنادق

استضافة المواقع و تسجيل النطاقات

إعلان

الوسوم: ,

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

*