أموالنا المهربة …ثروات ضائعة / بقلم : صادق كاظم

اكثر من 200 مليار دولار وجدت طريقها خلال اكثر من 30 عاما الى بنوك ومصارف عالمية باسماء سرية ضمن خطة النظام السابق لتحويل جزء من عوائد النفط الى صندوق سري يتولى تمويل العمليات المضادة لاسترداد السلطة عند تعرض النظام لعملية انقلاب عسكري باعتراف رئيس النظام نفسه .هذه الاموال ظلت تحول بحسب الروايات وبشكل منتظم وبنسبة 5 بالمئة تتراكم بارصدة بأسماء حرص النظام السابق على اخفائها وتمويهها .الاسماء التي اقترنت بهذه الودائع وحق الاطلاع عليها اختفت تدريجيا بسبب عمليات تصفيات جسدية تعرضوا لها  نتيجة لصراعات داخلية لتتحول في النهاية الى حساب مالي باسم صدام الذي انتقلت عائدية هذه الاموال اليه .ظل الحديث عن هذه الاموال يحمل طابعا تكهنيا واحتماليا اكثر منه واقعيا واقرب الى لغة الارقام بسبب الغموض الذي احاط بها وصعوبة التعرف عليها نتيجة لعامل السرية الذي تحيط به المصارف الاجنبية مثل تلك الودائع التي تحرص على حمايتها وعدم الكشف عنها والتي تشكل مصدر دخل مهم ومؤثر بالنسبة لها .لا احد يفهم السر وراء عدم حرص الادارة الاميريكة على انتزاع معلومات من رموز النظام السابق المهمين بعد اعتقالهم حول تلك الودائع بضمنهم رئيس النظام نفسه الذي بقي محتجزا بعهدتهم حتى لحظة اعدامه  .كما ان الحكومة العراقية لم تفتح من جهتها اي تحقيق مستقل بشان تلك الاموال ومصادرها واماكن اخفائها وحركة تنقلاتها بين المصارف الاجنبية السرية ،خصوصا وان المسؤولين عن هذا الملف كانوا على قيد الحياة وخاضعين لامرة السلطة القضائية العراقية قبل ان تعود القضية الى دائرة الغموض مجددا مع وفاة اهم اعمدة هذا الملف (الطاغية صدام وشقيقه برزان ) .خطوة الحكومة العراقية بالعمل على تشكيل دائرة متخصصة بهذا المجال ضمن مسؤولية هيئة النزاهة الوطنية جاءت متاخرة ،حيث ان امكانات هذه الدائرة ليست بالمستوى المطلوب والدليل انها لم تسترجع دولارا واحدا من تلك الاموال حتى هذه اللحظة ولم تتمكن من الوصول الى شبكة العملاء السريين المسؤولين عن التعامل مع تلك المصارف وادارة هذه الثروة الذين هم افراد من العائلة السابقة الحاكمة والمقربين منها .لقد حاولت الحكومة العراقية اللجوء الى شركات محاماة دولية ذات خبرات كبيرة في هذا المجال لتعوض ما فشلت بالقيام به لغاية الآن ،لكن عرض هذه الشركات باقتطاع نسبة 10 في المئة من نسبة الاموال المستردة لم يشجع الحكومة على ابرام صفقات معها باعتبار ان هذه النسبة تعد مرتفعة.من المؤكد ان هذه الشركات الدولية المتخصصة بملاحقة الثروات السرية الحكومية الضائعة والمفقودة لديها القدرة على تحريك مثل الملفات بسرعة كبيرة وهي لديها جيش من المخبرين السريين الذين سيتبعون اصول هذه الاموال وحركتها وانتقالها الى هذه المصارف السرية بحكم خبراتها الطويلة في هذا المجال بينما الجهد الحكومي المكلف من قبل الدولة لا يمتلك مثل هذه الامكانات والخبرات غير المتوفرة في جهاز تسيطر عليه مفاهيم الروتين والبيروقراطية والصلاحيات المحدودة .
ليست ثروة النظام السابق وحدها من تلاحقها الدولة لاستردادها ،بل ايضا الحسابات الشخصية لمسؤولين ضالعين في الفساد تمكنوا من الاستيلاء على الاموال الحكومية بحكم مناصبهم وفروا بها الى الخارج مستغلين الحصانة القانونية التي تمنحها جنسيتهم الاجنبية الثانية لهم من اية ملاحقات قضائية عراقية قد تطالهم ،حيث اكتفت الجهات الرسمية بابلاغ الشرطة الدولية (الانتربول ) بوضعهم وهو اجراء ليس فاعلا اومؤثرا في استرداد هؤلاء المطلوبين باعتبار ان جهاز (الانتربول ) ليس قوة بوليس تعمل على ملاحقة المطلوبين وتقوم باعتقالهم ،بل هومجرد جهاز تنسيقي يعمل على اصدار نشرات توقيف غير ملزمة للدول التي يتواجد فيها المطلوبين .هؤلاء المتهمون الهاربون استحوذوا على ارقام كبيرة من الاموال تصل الى عدة مليارات من الدولارات ،حيث يعد وزير الدفاع الاسبق حازم الشعلان اكثرهم شهرة الذي قام باختلاس اكثر من مليار دولار قبل ان يفر الى العاصمة البريطانية لندن محتميا بجنسيته البريطانية .لا يملك العراق معاهدات تبادل المطلوبين والمتهمين مع العديد من دول العالم التي تسمح له بملاحقة المتهمين واستردادهم من الدول التي يلوذون بها .الاموال المهربة بشقيها التابع للنظام السابق او المختلسة من قبل مسؤولين في حكومات ما بعد 2003 تقدر بمائتي مليار دولار على الاقل وهي تمثل رقما فلكيا وثروة وطنية يمكن ان تدعم وتساند الاقتصاد العراقي بقوة، فضلا عن انها تتجاوز الاحتياط المالي الوطني الذي يقدر بنحو 70 مليار دولار .عملية استرداد هذه الاموال ليست بالعملية السهلة والبسيطة وهي تحتاج الى جهد خارق والى فرق بحث وتحر متخصصة تعمل في داخل العراق وخارجها مدعومة من قبل اجهزة الاستخبارات الوطنية التي تتكفل من جانبها بجمع المعلومات الخاصة بهذه الاموال وملاحقة الاشخاص الذين لهم علاقة بتلك الاموال ،اضافة الى مركز متخصص بجمع المعلومات التي يقدمها المواطنون عن هذه الاموال والاشخاص الذين لهم علاقة بها مع منح مكافأة مالية سخية لاصحاب المعلومات القيمة والثمينة ،فضلا عن امكانية التوصل الى اتفاق مع الاشخاص الملاحقين يمنحهم عفوا عن جرائمهم مقابل اعادة هذه الاموال الى الخزينة الحكومية .هناك عدة قضايا مشابهة للحالة العراقية منها قضية الزعيم النازي ادولف هتلر وامواله المختفية في احد البنوك السويسرية التي ترفض اعادتها الى الحكومة الالمانية بحجة انها اموال شخصية وليست حكومية ،اضافة الى اموال الزعيم الليبي التي اختفت هي الاخرى وانقطع اثرها والتي تقدر بنحو 20 مليار دولار تحاول الحكومة الليبية استردادها ،لكن الفوضى التي تعم ليبيا حاليا لن تسمح لها باستعادة هذه الاموال قريبا .المليارات التي تنام في اقبية المصارف في اوروبا كودائع منهوبة من ثروات الشعب العراقي ليس من المنطقي التقاعس عن استردادها والسماح لورثة الطغاة واللصوص من سارقي وناهبي المال العام بالاستحواذ عليها وجني الارباح الطائلة من بقائها هناك كل هذه الفترة الطويلة .لقد تسبب الطغاة من حكام جمهورية الخوف والرعب والستارات الحديدية في تبديد اموال العراق وثرواته ورجالاته من خلال الحروب العبثية وغير المبررة تحت شعارات قومية خاوية سرعان ما سحقت تحت اقدام الجنرالات العرفاء الذين قتلوا اكثر من مليون مواطن عراقي بدم بارد نصفهم في ميادين الحروب التي اقتيدوا لها عنوة والنصف الاخر في زنازين وسجون سرية كانت مسرحا لحفلات تعذيب وحشية وسادية تفنن جلادوها في تقطيع اوصال المحتجزين فيها بالاحماض الكيمياوية والمناشير الكهربائية ،فضلا عن التقطيع بالسحل بسيارات مسرعة .هذا الماضي السيئ الذي عاشه العراق تحت ظل حكم ابناء القرية التكريتية وما تعرضوا له من نهب بشع لثرواتهم المالية ،حيث كان الطاغية صدام يخفي ميزانية الدولة ويحجبها عن وسائل الاعلام لدرجة ان وزير النفط في حكومة النظام لا يعلم شيئا عن مقدار مبيعات النفط وعائداته يوجب على الحكومة السعي الجاد  على الاقل في الوقت الراهن من اجل استعادة اجزاء من تلك الثروات السرية الضخمة التي عرفت طريقها الى الخارج منذ سنوات طويلة ،حيث ان السماح ببقائها هناك كل هذه الفترات الطويلة تمول وتغذي الارهاب وتهدد ارواح العراقيين يمثل تهديدا للامن الوطني وتشجيعا للارهاب ورسالة سلبية عن الوضع العراقي وربما قيام الدول الحاضنة لتلك الاموال بعقد صفقات مع اصحاب تلك الاموال لتنفيذ اجندات وعمليات تستهدف العراق دولة وشعبا بينما ابناء الشعب العراقي هم الاحق بها . ملف الاموال الهاربة ليس من الملفات السهلة والبسيطة التي يمكن للحكومة انجازه بسرعة ،بل يحتاج الى ضغط سياسي والى شركات محاماة دولية بارعة ومحترفة مع منحها نسبة معقولة من تلك الاموال وليس في الاتكال على جهد حكومي محدود القدرات والامكانات.

حجز الفنادق

استضافة المواقع و تسجيل النطاقات

إعلان

استمع الى القرآن الكريم

الوسوم: ,

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

*