أسبقية الربيع العراقي ( ياسين العطواني

من أبرز المُسلمات التي ينبغي ان يلتزم بها الكاتب أو المؤرخ وهو يتحرى البحث عن حدث تاريخي معين، هو الالتزام بالموضوعية والحيادية ، مصحوباً بتحليل الوقائع التاريخية بطريقة علمية ومن ثم النأي بالنفس عن الخلفيات والميول والأهواء التي ينحدر منها هذا الكاتب أو ذلك المؤرخ. وعلى الرغم من صعوبة تحقيق هذه الاشتراطات في كتابة التاريخ، لكن هذا لا يمنع من الالتزام بالحد الأدنى منها ، وهذه الجدلية لاتزال مستمرة منذ البدايات الأولى لتدوين التاريخ وحتى يومنا هذا . وها نحن اليوم نقف أمام ذكرى حدث تاريخي معاصر يحاول البعض تشويهه بطريقة أو بأخرى، ونعني بهذا الحدث، الانتفاضة الشعبانية التي انطلقت شرارتها الأولى في آذار من العام 1991 ، ضد مشروع الموت والدمار الذي كان يمثله النظام المباد، وقد أعتبر الكثير من الباحثيين ان هذا الحدث كان بمثابة ربيع العراق المبكر ، وهو ليس بالشيء المُستغرب عن هذه البلاد ، وهي تتوسط العالم القديم والجديد ، فقد عُرف عنها أسبقيتها في العديد من المجالات المعرفية والسوابق التاريخية على مر العصور، إلا ان هناك من يعمل في السر والعلن على حجب هذه الحقائق التاريخية، ومن تلك الحقائق التي لا يمكن تجاهلها، هي ان العراق قد سجل سابقة تاريخية في مجال الانتفاضات الجماهيرية ضد أعتى الأنظمة الشمولية في المنطقة والعالم، ومنها الهبة الشعبية التي شهدها هذا البلد في مطلع التسعينيات، والتي عرفت بالانتفاضة الشعبانية. وقد جاءت هذه الانتفاضة حصيلة تراكم عقود من الظلم والجور والهوان، وتنامي الصوت الرافض لمنهج الدكتاتور وأساليبه. وكان بإمكان رياح هذه الانتفاضة ان تعصف بالنظام المباد، إلا ان الأجندة الإقليمية والدولية قد غيرت اتجاهات هذه الرياح ما حال دون نجاحها في تغيير ذلك النظام. وقد اعترفت العديد من الأطراف الدولية والإقليمية لاحقاً بمناهضتها لتلك الانتفاضة ، وهذا ما أكده أيضا ً عدد كبير من الثوار الذين شاركوا بالانتفاضة، من ان غياب الدعم العربي والدولي لهذا التحرك الجماهيري العفوي كان السبب الرئيس في إخمادها، وعدم بلوغ أهدافها المرجوة. كما حال تجاهل الإعلام العربي والدولي، ان لم نقل الوقوف بالضد من هذه الانتفاضة وتشويهها دون ان يأخذ ربيع العراق المبكر المكانة المفترضة التي يجب ان يأخذها، مثلما هو عليه اليوم حال الثورات والانتفاضات العربية. ونحن نستذكر هذه الأيام أجواء الانتفاضة الشعبانية علينا ان نفتخر بأمرين، الأول، كون العراق أول من أشعل باكورة مايسمى اليوم بالربيع العربي، والثاني،أن المنطقة العربية وعموم منطقة الشرق الأوسط لم تعرف دكتاتورية بهذه القساوة والجبروت والظلم كما عرفها وعايشها الشعب العراقي. وبهذه المناسبة حري بنا ان نشير الى دماء الشهداء التي روت أغصان وزهور الربيع العراقي، كما علينا ان نحافظ على سريرة وهوية ونبل هذه الانتفاضة، ومجابهة كل محاولة تهدف الى تحريفها وتشويهها. وهذا يتطلب اتخاذ إجراءات عملية ملموسة، ومنها القيام بحملات إعلامية واسعة لتعريف الرأي العام العربي، وكل المعنيين بالدفاع عن حقوق الإنسان، بحقيقة الانتفاضة الشعبانية في العراق، وأسبقية هذه الانتفاضة، وإفهام تلك الجهات، بإن ساحة سعد والفهود والفكيكة، كانت أولى ميادين التحرير والممانعة لنهج الدكتاتورية ، ومنها انطلقت الشرارة الأولى للغضب الشعبي ضد أعتى الأنظمة الدكتاتورية في المنطقة، ولا ننسى التذكير بالقواسم المشتركة التي جمعت بين الانتفاضة العراقية الكبرى والثورات والإنتفاضات العربية ، قبل ان تتم سرقة وتشويه هذه الأنتفاضات والثورات ، ومنها ان هذه الانتفاضة كمثيلاتها العربيات لم تكن مؤدجلة، أوتنتمي الى حركة سياسية محددة أو حزب بعينه، أو نتيجة لخطط وأفكار مسبقة، بل كانت نتيجة لتفاعلات عفوية، أفرزتها ظروف موضوعية صعبة وقاسية، عاشها الشعب العراقي تحت نير البطش والاستبداد من قبل سلطة جائرة لم يعرف لها تاريخ البشرية مثيلاً. وبالرغم من استمرار سوداوية ذلك المشهد الظلامي حتى اليوم، متمثلا ً بهذا الإرهاب الأعمى ، وهو ليس ببعيد عن ممارسات وأساليب ذلك النظام وأتباعه ، إلا ان البعض يحاول اليوم الغاء الذاكرة العراقية ، والتغاضي عن حقب وحوادث تاريخية بعينها. وهنا نحن لسنا بصدد اجترار آلام الماضي، واسترجاع المواجع ، وإنما بصدد الوقوف على الحقائق كما هي ، لأن هناك من ينكر، أو على الأقل يشكك بوقوع تلك المأساة . فالملاحظ أن ثرى ودماء المقابر الجماعية للمنتفضين لم يجف بعد ، وأن الكثير من هويات ضحايا الانتفاضة الشعبانية لايزال مجهولاً، ومع كل هذا المشهد التراجيدي هناك من يسعى الى دفن تلك الحقائق الموضوعية الى جنب مقابر الانتفاضة الشعبانية. ان التأكيد على تنشيط الذاكرة لا يعني نبش الماضي بكل مواجعه وبطريقة بكائية لتحقيق اغراض آنية ومرحلية كما يفعل البعض ، انما هو طرح وطني ينأى بنفسه عن جميع الولاءات والميول والأهواء. ولهذا عندما نحتفي بمناسباتنا الوطنية، سواء التراجيدية منها أو المفرحة، فانه علينا توخي الحذر والموضوعية ، فالأمر يكمن في استجلاء ماهية هذه المناسبات ، ومدى الاستفادة منها في تقصي الحقائق، وتجنب أخطاء الماضي، فالتعلم من الماضي لإنقاذ المستقبل ينبغي ان يمثل الأولوية لدى الجميع، وبعيداً عن الحسابات السياسية الضيقة.

حجز الفنادق

الوسوم:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

*