أسئلة في السسيولوجيا العراقية ( علي حسن الفواز

الاشكالية الباعثة للجدل في علاقة السياسي بالثقافي ظلت مثارا لانتاج اشكاليات اخرى تتعلق باعادة توصيف الادوار والوظائف التي تخص هذه الثنائية في السسيولوجيا العراقية الغائمة، وكذلك استقراء علائقها مع تاريخ الفعاليات الاجرائية للمؤسسات السياسية، وللمؤسسات الثقافية، اذ ان الاطار المؤسساتي رغم محدوديته ظل هو الاكثر قدرة على اعطاء هذا الجدل تموضعاته وبواعث اثارته، مثلما ان هذه المؤسسات كانت هي الحواضن التنظيمية والادارية لمايتساقط  من أثر المعطيات السياسية والثقافية، خاصة وان السسيولوجيا العراقية ظلت محكومة بشروط خارجية صارمة، وازمات داخلية محكومة بسمات مايبدو ظاهرا في البيئات الاجتماعية المحكومة بالعامل الديني والعرفي، لكنها في الجوهر كانت عرضة للعديد  من عوامل التغاير والتفكك السريع.
هذا التوصيف العمومي فيما يتعلق بخصوصية عمل المؤسسات الثقافية المحدودة كان قرينا ايضا بطبائع هذه المؤسسات، وهوياتها، وتوصيفات ادوار السياسي والثقافي فيها. فهل ان السياسي هو السلطوي فقط، او هو كل مايتعالق بفاعلية الدولة وجهاتها الرسمية؟ ام هو المعني بالمرجعية التي يتداخل فيها الايديولوجي مع الوظائفي السياسي؟ وهل ان الثقافي هو كل مايرتبط بسمات الفعاليات الثقافية بمعناها التقليدي التي اصطنعت لهذا المعنى وجها ادبيا او لغويا محمولا على مرجعيات هذه اللغة في سياق استعمالها وتداولها كخطابات او نصوص في البلاغة او الزخرف الشكلي او في اشباع بنيتها النحوية؟
هذه الاسئلة تحولت في ظل الكثير من المعطيات والتغايرات التاريخية والوظيفية وحتى المعرفية الى موجهات جديدة لاعادة قراءة مفهومي السياسي والثقافي، في اطار توصيفي مغاير، وفي اطار مرجعيات وظائفية مفارقة، تلك التي وضعت السياسي والثقافي ازاء الكثير من التداخلات والتفاعلات، اذ لم يعد السياسي في سياقها هو السلطوي او الدولتي بمعناه العام المجرد، مثلما لم يعد هذا السياسي هو التعبير الرمزي عن مرجعية وظيفية محددة لخاصية الحاكمية ومايتداعى منها، بقدر مااضحى هذا السياسي ظاهرة لتحول تاريخي في بيئة الدولة والاحزاب وفي سياق مفهومي اخر اشتبكت مرجعيته التقليدية مع مرجعية سسيوثقافية تبدت مظاهرها عبر ما تستدعيه من مغايرة في التوصيف والنمذجة والوظيفة، فضلا عن ان هذه المغايرة قد اعلنت موت (المثقف الادبي) و(المثقف النخبوي) او حتى نموذج المثقف الذي كان يراه الدكتور علي الوردي في نظرته الاجتماعية لنموذج المثقف العراقي في الاربعينيات والخمسينيات.
فاعلية التغاير في توصيف السياسي والثقافي، يضعنا بالضرورة امام منظور اخر يتعلق بـ(صناعة السياسة) و(صناعة الثقافة) ومايتعالق بهاتين الفعاليتين من سمات وظواهر وبنيات مؤسسية، خاصة مايتعلق بطبائع الثقافة وخصوصيتها في مجتمع  مازال ينظر لنموذج المثقف نظرة ملتبسة، ولم يسمح له بالانتماء الى بنياته المغلقة الاّ في سياقه دوره الوظيفي(المعلم، الافندي، رجل الدين، الواعظ، الموظف الحكومي، القائد الاجتماعي) اذ كثير ماتسبغ هذه الوظيفة طابع الوجاهة والابّهة التي تعطي للمثقف مجالا فاعلا في التأثير الاجتماعي على الاخرين، وحتى الشعراء او بعض المثقفين الكبار الذين تركوا اثرا كبيرا في اوساطهم الاجتماعية ماكانوا يملكون هذا التأثير لولا علاقة ذلك بادوار وفعاليات سياسية او دينية او ايديولوجية..

صناعة الثقافة

من هنا يأخذ هذا المنحى التوصيفي للمثقف بعدا اخر يتعلق بطبيعة الادوار والوظائف الجديدة ذات الطابع الاشكالي لهذا المثقف، خاصة مايثيره من اسئلة، ومايفترضه من مواقف ترتبط باغتراب هذا المثقف وعزلته، وتفكك مفهوم نخبويته التقليدية ومرجعياته القديمة، فضلا عن علائق هذا المثقف بالمؤسسات المدنية، وحتى المؤسسات الرسمية التي ظلت وجها ناتىء الملامح لعقود طويلة في تاريخ الثقافة العراقية، التي اختلط فيها الثقافي بمعناه الملتزم بقضايا المجتمع وتحولاته التاريخية، والتي اختلط فيها السياسي الايديولوجي النضالي، وليس السياسي الوظيفي الذي كان موسوما بمرجعيات طبقية وادائية معينة..
مايميز اللحظة المعاصرة هو وصفية المثقف الوظيفي الذي، مثلما هي وصفية السياسي الوظيفي، فضلا عن الحاجة الى وصفية مغايرة للمؤسسة الثقافية، اذ تبدو الحاجة الى المؤسسة المدنية اكثر استدعاء وتأثيرا، خاصة وان المؤسسات الرسمية فقدت دورها القديم السياسي والتعبوي والامني والايديولوجي، وباتت محكومة بمعايير وبرامج يمكن ان تؤديها المؤسسة المدنية بشكل افضل واكثر تعبيرا عن عمق مظاهر التحول التاريخي في العراق..
ولعل السؤال الذي يتعلق باعادة النظر الى الوظيفة الثقافية، بات هو الاكثر جدوى واكثر اهمية، خاصة في سياق صناعة اطر تستوعب مظاهر التحول، وتعيد تأهيل القوى الجديدة لتكون فاعلة في تأصيل الموجهات الكبرى للثقافة كوظائف اجتماعية ونفسية وجمالية ومعرفية وحتى شرعية. فهل يمكن اخضاع التحول الثقافي الى مسار يتبى  صناعة اسس ووظائف جديدة؟ وهل يمكن للمثقف ان يملك مؤهلاته السسيولوجية لكي يعيد ترتيب اوراقه وخططه في ضوء توصيفات وخطط هذه الصناعة؟ وهل يمكن ان نبدأ باعادة انتاج بنيات ثقافية لها خصائص البنيات التحتية كما يسميها الاقتصاديون، يمكن لها ان تعزز دور الثقافة والمثقف وان تصنع لنا رأس مال ثقافيا وتراكميا لايمكن لاي انقلاب عسكري او سياسي او ايديولوجي ان يرميه الى النهر او الى المزبلة!
هذه الاسئلة كثيرا ما بدأت تثار الان عن ضعف الدور الثقافي، وضعف اداء المؤسسات الثقافية في التعاطي مع اسئلة التاريخ والدولة، اذ ان معطى الحاجة لمواجهة هذه الاسئلة ينطلق من طبيعة تاريخ الازمات التي عاشها المثقف والمؤسسة، لان هذا التاريخ الثقافي(الوطني) للاسف كان حافلا  بنوع من العزلات المرعبة التي تركت المثقف لنخبويته الطاردة والمطرودة، واعطت الكثير من الادوار للثوار وللانقلابيين من العسكر والسياسيين والايديولوجيين والانتحاريين الذين كانوا يرسمون لوحدهم  الطرق والمسارات القهرية والعصابية، وربما طرق خاصة للالغام لكي يعبرها المثقفون الحالمون عبر كثيرة السجون والمنافي. هذه الطرق المعتمة لايمكن الحياد عنها او الخروج عن جادتها، لان هذا الخروج يعني الخروج عن الملة والخروج من المطبخ الوطني ومشاركة الاعداء مؤامراتهم على الوطن والعقيدة والامة.
السلطة العسكرية  للانقلابيين او السلطة الحزبية القديمة لثوار الايديولوجيا ومنظري الافكار الشمولية صنعت لنا خوفا اكثر مما صنعت لنا وعيا فاعلا، صنعت لنا سجونا واقعية ورمزية ودوغمائيات عقائدية اكثر مما صنعت لنا وطنا يتسع للجميع، صنعت لنا حروبا اكثر مما صنعت لنا كتبا..وهذه الصناعات الثقيلة جدا سحقت احلام المثقف العراقي وجعلته امام خيارات قاسية، اما الموت كمدا، واما المنفى ضياعا او هروبا ، واما القبول بدور المهرج.  وطبعا هذه الادوار الاجبارية وضعت المثقف امام عقدة(الوعي الشقي)بمعناه الانساني وليس الفلسفي، اذ باتت مسارات هذا المثقف غامضة ومعقدة من الصعب ازاءها التخلص من قسوة المهيمنات، لانها فرضت انماطها ومعطياتها على الواقع، خاصة وان المؤسسات الثقافية المدنية كانت جزءا من النظام المهيمن وجزءا من شروطه وموجهاته. تاريخ ازمة هذا المثقف وهشاشة ادواره في السسيولوجيا العراقية، وضعف اداء مؤسساته، هو الذي افقد هذا المثقف قوته، ناهيك عن ان الادوار المريبة التي لعبتها الافكار الشمولية في العراق(اليسارية والقومية والدينية في مرحلة لاحقة) اسهمت في تعويم الدور الانساني للمثقف خارج هذه الشمولية، وهذا التعويم بقدر تغييبه للفاعلية الثقافية كنصوص وافكار ومواقف، فانه اسهم ايضا في صناعة نموذج المثقف الخائف، ونموذج المثقف الدوغمائي المتماهي مع ظاهر الايديولوجيا والنص، والذي جعل هذا المثقف يعاني من حساسية مفرطة ازاء أي مغايرة في النظر الى الحرية واسئلتها، فهو يخاف في موقفه  وكتابته وطريقة حديثه واصغائه وحتى شتائمه. وطبعا هذا الخوف كرس فينا فهما مشوشا للتاريخ والحرية والسلطة، وانعكس على التعاطي مع الوقائع والاحداث والصراعات واحيانا مع التخندقات التي لايمكن الاطمئنان اليها.

المثقف والدولة الجديدة

حجز الفنادق

استضافة المواقع و تسجيل النطاقات

إعلان

هذه الظواهر التي ارتبطت بازمة المثقف والمؤسسة الثقافية تشكل اليوم رهانا مفتوحا امام الدولة الجديدة التي ترفع شعارات الديمقراطية والمواطنة والحرية، من خلال اعادة النظر الى الكثير من قرائن هذه الشعارات مع اجراءاتها في الواقع، اذ ان أي مسعى او اتجاه لتعزيز هوية الدولة الجديدة يفترض اساسا تعميق معاني هذه الشعارات كقيم تاريخية واخلاقية وحقوقية في العقل المجتمعي، والعمل على تخليق رأي عام واسع وفاعل بها لتأمين جهات ومرجعيات تنسيقية وتفاعلية في بنيات الدولة الجديدة، وذلك من خلال العمل على استصدار القوانين والتشريعات التي تعزز دور المؤسسات الثقافية المدنية، وتكرس توصيفها الحقوقي في المجتمع، فضلا عن وظيفتها المدنية الدافعة باتجاه الوعي بالحريات والحقوق والهويات والمواطنة والتشارك، مثلما هو مسؤوليتها في تمكين المثقف من ممارسة حريته وحقوقه ومسؤوليته ازاءها دونما رقابة قهرية، وان تزيل عنه تاريخ الخوف العالق تحت ثيابه ووسادته، مثلما تنقذ الثقافة من عادات الهيمنة القديمة، وتمنع عودة شطارها وعياريها، نعم تحمي المثقف وتساعده  على استرداد انسانيته وحريته وشجاعته، ون تشجعه على ان يكون مواطنا تفاعليا وايجابيا، وليس مواطنا نخبويا معزولا وفوقيا يعيش ازمة اغتراباته، او كائنا سريا كما كنا نعهده في اجندة السلطات القديمة، تفرش له السجون اكثر مما تفرش له وسائد النوم مطمئنا.
ان مسؤولية الدولة الجديدة تكمن في تقديم توصيف حقيقي وواضح لهوية هذه الدولة، والتعريف بها في سياق تفاعلها مع حاجات الناس، لان الناس هنا وبالمعنى السسيولوجي سيكونون هم القوة العارفة التي تصنع الدولة المدنية، وهم الذين يدافعون عن شعاراتها في الحرية والديمقراطية والحقوق، وان دور المثقف في هذا السياق هو تنمية القوة العارفة، وتوسيع حلقاتها بالمعنى الشامل(التعليمي، والجمالي والعمراني والحقوقي والديني)وبالتالي فان صناعة هذه القوة ستكون مصدرا توصيفيا واخلاقيا لصناعة السياسية بمعناها الاداري والامني والوظائفي والحقوقي، أي ان التفاعل مابين الثقافي والسياسي سيجد في حاضنة الدولة المرجعية الاساسية لتجسيد قوة النظام والقانون، والتي تملك القدرة الصيانية لمواطنيها وحقوقهم، وبالتالي تعميق المعنى التفاعلي للثقافة من خلال تعزيز ادوار ووظائف القوى المجتمعية، وكذلك تعزيز ادوار المؤسسات التي ينتظمها القانون العام. واحسب ان التفاعل بين القوى المجتمعية(المواطنين)وبين القوانين، او بين القوى العارفة ومنظومة الحقوق سيتيح مجالا واسعا لادوار هذه القوى، وللتعريف بالحقوق في دستور الدولة بوصفه قانونها العام، والذي سيبيح شرعا وقانونا الدفاع عن هذه الحقوق من خلال المجاهرة بها او التظاهر لاي اخفاق في تأمينها، وبالاتجاه الذي يجعل المفهوم الثقافي للحقوق والمواطنة سياقا تعبيريا عن وعي سياسي لازم، ليس في سياقه الوظيفي بقدر مافي سياقه الانساني الذي يجب ان تحتكم اليه الدولة، ويعيش تحت نظامه المجتمع ومكوناته المتعددة..

الوسوم:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

*