أزمة الخارطة السياسية العربية / بقلم : علي حسن الفواز

الأحداث المتسارعة في السياسة وعند جبهات الحرب تكشف عن وقائع جديدة، وعن صراعات مثيرة للجدل، وعن آفاق لحلول تحمل معها الكثير من الأسرار وخفايا الصفقات الامنية والسياسية والاقتصادية.
ما يبدو مثيرا للجدل في هذه الأحداث تلازم ملفاتها، وامكانية تحولها من مناطق صراع ونفوذ اقليمي الى مناطق تجاذب دولية، وبالقدر الذي يثير مخاوف من عودة الحرب الباردة، أو التجاذبات القطبية التي حكمت الصراع السياسي العالمي لأكثر من أربعين سنة.
ورغم أن هذه العودة تختلف في سياقها التاريخي عن سرائر حرب الإيديولوجيات والعسكرة بين القطبين، إلاّ أن احتمال وقوعها سيكون سببا في إحداث مشكلات وصراعات من الصعب السيطرة عليها، وستكون أيضا سببا في جرّ الكثير من الدول الصغيرة الى حرائق تلك الحرب وتجاذباتها المنهِكة.
الشرق الأوسط بحروبه المزمنة سيظل العنوان الفاقع لهذه الصراعات، لأنه منطقة تقاسم نفوذ، وبيئة سياسية محشوة بالنقائض والولاءات، مثلما هو بيئة ثروات في مجالها الجيوسياسي، وفي خزانات نفطها وغازها، وهذا ما يجعل دوله الضعيفة داخل اللعبة الدولية وصراعات مصالحها.
الصراع الاسرائيلي العربي لم يعد هاجسا عربيا وقوميا مشتركا ورئيسيا كما كان ساخنا في العقود السابقة، ولم تعد قضية فلسطين موضوعا مركزيا في العقل السياسي العربي، إذ أسهمت دول الحلف الأميركي الغربي في تحويل المسارات، وفي صناعة منظور آخر للعدو، ووضع الخارطة السياسية العربية في أجندة المصالح الغربية، وهو ما دفع الغرب الى إخضاعها ايضا الى نوع من (غسيل الدماغ) لتعميق مشاعر خوفها ورعبها من سياسات معسكر ماسمي بـ(الممانعة والمقاومة) وتحت تهم شتى، وعناوين مثيرة وكافية لإفزاع حكوماتها القبلية، حيث تحوّل (وهم العدو) الى إغراء مريب لتقوية جبهاتها وتعبئة ترسانتها العسكرية بالأسلحة الفتاكة والجديدة والمدفوعة الثمن بمليارات الدولارات.
أحداث (الربيع العربي) كانت الصدمة المريبة التي هزّت الوقائع السياسة العربية، ودفعت هذه الدول الى تبني عسكرة المشاركة عبر المال السياسي والمال الأمني، فكانت الكثير من الأحداث التي أسهم بعضها في إسقاط أنظمة الحكم السياسية في ليبيا واليمن وتونس ومصر، وفي صناعة الأزمات في العراق ولبنان وهي ازمات خاضعة لحسابات تلك الأموال، وللجهات الأمنية الاقليمية والدولية التي تقف وراءها.
وإذا كانت تلك الأحداث لم تكشف عن بعدها (المؤامراتي) فإن الأسرار التي رافقت احداث تصفية العقيد القذافي وإنهاء حكمه أثارت لغطا أمنيا في بعض المحافل الدولية، ومنها روسيا التي كانت تربطها بحكم العقيد القذافي مصالح ستراتيجية واتفاقات اقتصادية عملاقة وبتخصيصات مالية كبيرة، إذ وضع سقوط القذافي روسيا أمام حرج كبير وضرر بمصالحها السياسية والاقتصادية في المنطقة، وهو ما دفعها لمواجهة محاولات الحلف العربي الأميركي لإسقاط النظام السوري وسلطة بشار الأسد بنوع من الحدة والرفض، وصولا الى التدخل العسكري الجوي ومساعدة الجيش السوري ضد الجماعات الإرهابية التي تدعمها وتمولها تركيا والسعودية وقطر والاردن وبرعاية أميركية غربية علنية.

حروب الحسابات…حروب النفوذ

الزيارات الأخيرة التي قام بها ولي عهد الامارات وولي ولي عهد السعودية الى روسيا تحمل معها الكثير من الأسرار، لأنها تبدو ظاهرا للتباحث حول الأزمة السورية، والضغط على روسيا لايقاف حملتها الجوية ضد ما يسمى بمعارضي النظام السوري، لكنها في الباطن تحمل معها صفقات لتغيير مسار هذا الصراع، ولإيجاد مصالح مشتركة مع روسيا، وبما يسهم  في إيجاد حلول وبحسابات معينة للأزمة، لكن من وجهة نظر الحلف الأميركي العربي!!.
السؤال المثير للجدل هنا هو: هل قبلت روسيا بهذه العروض؟ وهل أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين فكّر بطبيعة ما تحمله هذه العروض من إغراءات مالية؟
أحسب أن روسيا ليست بلدا شرق أوسطيا، وأن مصالحها الكبرى لا تقف عند حدود مثل هذه الصفقات، والدخول في تحالفات قلقة، بقدر ما أنها دولة كبرى، لها حساباتها الستراتيجية، ولها معرفة بمرجعيات هذه الدول التي تحكمها عصابيات سياسية وليست (أخلاق سياسية) وهذا ما دفع الرئيس الروسي للرفض، والى الدعوة للبحث عن حلول سياسية حقيقية تراهن على الشرعية وعلى وحدة سوريا، وعلى أن التغيير فيها هي مسؤولية السوريين وليس حلفاء الحرب، ولعل حديث الرئيس بوتين التلفزيوني في دعمه للنظام السوري يكشف عن وجه آخر للحسابات التي  تدركها روسيا، والتي تمثل جوهر مصالحها في المنطقة، بما فيها مصالح النفوذ السياسي وحركة أساطيلها، وإمكانية إقامة قواعد عسكرية في دول حليفة لها مثلما تفعل الولايات المتحدة في العديد من الدول الحليفة، ومنها دول الخليج.
التدخل الروسي كشف الكثير من تلك الحسابات، ووضع الجميع أمام رهانات سياسية معقدة، ولعل لقاء بوتين مع المسؤولين الخليجيين يدخل في إطار ذلك، وبما يدفع الى البحث الحقيقي عن حلول سياسية للأزمة، والى مواجهة حقيقية مع الإرهاب الذي تخشى روسيا أساسا من تمدده الى الدول التي تحوطها، لا سيما وأن الحلف الدولي الذي يمثل أكثر من (60) دولة والذي تقوده الولايات المتحدة لم يستطع أن يغيّر المعادلة الأمنية على الأرض، بل أن داعش قد تمدد أكثر بوجود هذا التحالف، ومن هنا يبدو الصراع ما بعد التدخل الروسي أكثر إثارة للجدل، ولتوسيع مدياته الأمنية، والذي حاولت بعض الدول استثماره لإثارة النعرات الدينية في المنطقة، وهو أشار اليه الرئيس بوتين، لكن الواقع الصراعي في المنطقة لايتحمل مثل هذا الصراع ورهاناته، وأن أفغنة المنطقة ستكون مغامرة فاشلة وسيكون ضحاياها هم صنّاعها..

حجز الفنادق

استضافة المواقع و تسجيل النطاقات

إعلان

الوسوم: ,

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

*