أزمة البيت العراقي / بقلم : ساطع راجي

إحدى المشاكل الكبرى في الفكر السياسي والدعاية للحكومات في منطقة الشرق الاوسط هي تشبيه الوطن بالبيت وهو تشبيه يراد منه اقناع المواطن بأن الوطن قضية شخصية وقدر فردي ايضا يجب تقبله والرضا به، ومن هذا التشبيه ينتج ان العلاقات داخل الوطن (باعتباره بيتا) هي علاقات عائلية وأهم مفصل في العائلة هو ربها أو الأب ويقابله في الوطن الحاكم، هنا تبدأ الخديعة التي تحطم البيت والوطن والمواطن، اذ وفقا لهذه المعادلة يجب ان يكون كل شيء تحت أمر الحاكم الأب وحينها سيتهم المعارض والمعترض بالعقوق وهو من الكبائر الدينية وربما تستخدم اوصاف اكثر بشاعة في توجيه الاتهامات، أما اذا وصلنا الى مقترحات الانفصال او التقسيم فنكون قد دخلنا المرحلة الأكثر بشاعة في التحريض والاتهام.
للتوضيح، فإن مناسبة هذا الكلام هو الموسم المتكرر في العراق للحديث عن الانفصال والتقسيم، وهو حديث لا معنى له أساسا لا لأن الوطن يختلف تماما عن البيت ولا لأننا حاليا خارج سطوة الآباء الحكام رغم كثرة المنتظرين للحصول على هذا اللقب او حتى الذين يستخدمونه فعلا ولا يستطيعون الادعاء بأنهم ازواج أمنا غير الموجودة اصلا، بل لأن الوطن الحالي كما لو أنه ليس من صناعة العراقيين ولم يكن اي تغيير او ترميم أساسي فيه بقرار منهم، وكما لو أن ابوابه ونوافذه جاءت مستوردة وحتى مفتاح بابه واحجار سوره الخارجي، وهو – رغم كل الحمولة التاريخية – ليس بيتا موروثا لعائلة عريقة يشعر الابناء بعار تقاسمه.
فهو مثل كل الاوطان شركة والمواطنون يمتلكون اصولها بحكم وضع اليد ومن يجد مكانا افضل يتركه كمن يستبدل اسهمه، ومع ذلك ليس لنا إلا التمسك بما في ايدينا وندافع عنه وأعود لأقول ليس هناك خوف من التقسيم ولا الانفصال، لأن هذا اولا قرار دولي وثانيا لعدم وجود قوى سياسية قادرة على بناء دول او حتى مؤسسات صغيرة، يبقى الاهم هو القدرة على التعايش بين المختلفين، واذا اردنا التقريب وفقا للعقل السياسي السائد، فان الحل هو التوصل لمعادلة تبقي على البيت والعائلة بدون خسائر او في الحد الادنى من هذه الخسائر، وربما يمكننا عقلنة خلافاتنا واختلافاتنا اذا اطلعنا على بيوت الآخرين او أوطانهم.
إحدى الاساطير الشائعة في منطقتنا تلك التي تتحدث عن تجاوز الخلافات وان البلدان القوية والدول المتماسكة بلا انقسامات طائفية وعرقية وان احزابها وطنية تعبر عن جميع المكونات بالتساوي او تتجاهل الاختلافات، لكن الحقيقة غير ذلك، فمعظم الدول الغربية المستقرة والمزدهرة تنشط فيها نزعات انفصالية بدوافع طائفية وقومية واقتصادية وثقافية مثل (بريطانيا، فرنسا، ايطاليا، بلجيكا، اسبانيا، كندا، ….) وبعض الاحزاب الانفصالية تشارك في السلطة وتبقى تدير بلدا موحدا، العقل الشرق أوسطي لايحتمل هذه الحقيقة لأنه يفضل الوقائع الكسولة (مع أو ضد)، متزوج أو أعزب، الاقامة المشتركة خارج نطاق التفكير والمخيلة.
أهم دوافع الانفصال حاليا هي تلك التي تتعلق بالاقتصاد، كما ان اقوى كوابح الانفصال هي التي تتعلق بالاقتصاد وهذا الوصف ينطبق على العراق تماما، فهناك من يحلم بالانفصال لأسباب طائفية أو قومية لكنه يصطدم بالعقبة الاقتصادية التي تبقيه داخل الدولة العراقية، وهناك من يريد الانفصال بدوافع اقتصادية لكن نفس هذه الدوافع تحرض الآخرين للوقوف ضده، ولذلك يمكن ان يكون الاقتصاد هو الحل الاساسي لمشاكل العراق الطائفية والقومية، وهو ما سيبقي الدولة متماسكة كما بقيت الدول الغربية متماسكة رغم النزعات الانفصالية التي توصل احزابها للسلطة لكنها لا تقوى على المغامرة بكل المنافع وتأسيس منظومة اقتصادية جديدة، وهناك دائما مواطنون لايغامرون بمستقبلهم من اجل احلام الساسة لذلك تنتهي الاستفتاءات في الغرب بنتائج معارضة للانفصال على عكس ما يحصل في منطقتنا التي ترك المواطن فيها عقله ومصالحه تحت مطرقة السياسي الذي يتمنى ظهور دولة جديدة يكون هو الرجل الاول فيها ورب بيتها وسيد عائلتها، ولذلك فان تجارب الانفصال في عالمنا الثالث ومنطقتنا ليست مشجعة وبالاخص عندما تتحول الدولة الجديدة الى مجرد جائزة تاريخية لحزب مناضل أو للأب القائد وأسرته العظيمة.
لجميع المواطنين حق التفكير في مصالحهم الفردية والجماعية حتى لو وصل الامر للمطالبة بالانفصال ولكن بشرطين أساسيين، الاول عدم استخدام السلاح والثاني هو عدم الاستعانة بدولة أخرى، الالتزام بهذين الشرطين يبقي على الدولة قائمة وفعالة دون صراع يشل المؤسسات ويعرقل الحياة العامة ولا ضرر من اجراء استفتاءات دورية بسؤال واضح عن الرغبة بالانفصال او البقاء في الدولة القائمة وبسياق رسمي لا مجال فيه للمناورات الحزبية.
ليست كل المشاكل والخلافات والاختلافات تبرر الانفصال ولا كل الاحلام والطموحات السياسية قابلة للتحقيق وفي الاغلب لن يكون تحقيقها ممرا الى الفردوس، الناس بحاجة الى دولة آمنة وعادلة وثرية أكثر من حاجتهم الى دولة تحمل شعارات طائفية وقومية تخوض حروبا لا نهاية لها أهدافها المعلنة تحقيق احلام مستحيلة واهدافها السرية توفير منظومة حكم لبضعة أفراد.
القدرة على التعايش رغم الطموحات المتعارضة هي عنصر النجاح في هذا العصر القائم على ادارة الخلافات وتنظيمها قبل الوصول الى نقطة المنتصر والمهزوم وهي نقطة اللاعودة التي لا تعني بالضرورة الخروج بسلام من وطن واحد الى أوطان عدة.

حجز الفنادق

استضافة المواقع و تسجيل النطاقات

إعلان

استضافة مواقع عراقية

الوسوم: ,

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

*