أزمات متناسلة ( طارق رسن

في نهاية كانون الأول الماضي، وبينما كان العراقيون يتأملون خيرا بإطلالة عام جديد عليهم، ولا سيما ان العراق سيكون فيه خاليا من تواجد القوات الأمريكية بحسب الاتفاقية الأمنية المبرمة بين حكومتى بغداد وواشنطن، إلا إن أزمة كبيرة انبثقت على المشهد السياسي، استأثرت باهتمام العراقيين كافة، أعقبتها انفجارات دامية انتهك فيها الإرهابيون حرمة الدم العراقي، ليجعلوا من صورة القتل والخراب آخر ما يعلق بذاكرة أهل العراق من عامهم المنصرم، وليرسلوا رسالة لا يخفى مضمونها إلا على أعمى البصيرة،مفادها بأن القوات الأمريكية لم تكن يوما ما هدفا لأعمالهم الإجرامية القذرة بقدر ما كان الهدف الأول والأخير منها هو المواطن العراقي.
 وما يدعو للحزن والأسف إن هذه الأزمات السياسية الداخلية ما زالت تلقي بظلالها الكئيبة على حياة المواطن العراقي، خاصة عندما تكون الأعمال الإرهابية متزامنة معها، أو بمعنى آخر هي إحدى تداعياتها المرة. اي إنها ليست بجديدة أو طارئة على حياتنا، وليست حدثا عارضا، فهي كانت وما زالت قائمة على أسبابها ومبرراتها ومحركاتها التي تعمل على تفجيرها بين الحين والآخر، منذ أن تحملت الأحزاب الوطنية العراقية مسؤولياتها، وتشاركت مع بعضها البعض في إدارة زمام الأمور في البلاد بعد الإطاحة بنظام البعث الصدامي المباد. المواطن العراقي اعتاد على حدوث الأزمات السياسية، وهو يتفاعل معها منذ بدايتها، يقرأ الصحف، ويتابع الكم الهائل من التصريحات والتحليلات التي تبثها الفضائيات ليل نهار، ويدخل في سجالات ونقاشات مستفيضة مع أصدقائه ومعارفه، ويبدي رأيه بشأن ما يحدث في مجالسه الخاصة، ثم لا يلبث أن يشعر بالملل، ووجع الرأس،وبارتفاع ضغط الدم، فيتركها ليغرق بأزماته الشخصية، ولينتظر ما ستتمخض عنه الأحداث من حلول أو أزمات جديدة أخرى كانت مخبأة .
ولكن إذا كانت للازمات السياسية نتائجها الخطيرة جدا، وتداعياتها المؤسفة، وانعكاساتها المؤلمة على واقع الإنسان العراقي في مختلف جوانبه، فانها تبقى تقرع في أسماعنا ناقوس خطر، يذكرنا دوما بان ما يحدث ليس من الأمور الطبيعية، أو الروتينية،وتحثنا على عدم الاستسلام لها، والتعامل معها ببرود وتبلد بحكم تكرارها واستمرارها، إنها تدعونا إلى التفكير ألف مرة بإيجاد الحلول الجذرية التي تعالج الأزمات السياسية من أساسها، وتقويض الدعائم والمبررات التي ترتكز عليها، وان لا نكتفي بالعلاجات المسكنة، أو بالحلول الترقيعية التي لا يدوم تأثيرها إلا لفترة من الزمن، طالت أم قصرت، ثم لا تلبث أن تنفتق عن أزمة أكبر من سابقاتها قد تقود البلاد إلى ما لا يحمد عقباه.. هذا ما يتأمله العراقيون من القادة الكبار في مؤتمرهم الوطني المزمع انعقاده في بغداد قريبا،لا لأنهم يريدون إيجاد الحلول الجذرية للأزمة السياسية التي تمر بها البلاد حاليا فقط، بل لكل الأزمات المزمنة الأخرى . إنها مسؤوليتهم أمام الله وأمام من انتخبوهم، ولن يتحملها أحد سواهم.

حجز الفنادق

.

الوسوم:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

*