أزمات تبحث عن حلول! ( ياسين العطواني

تُعد مفردة الأزمة هذه الأيام من المفردات التي يتم تداولها بكثرة في وسائل الإعلام المختلفة، وفي أكثر من مكان في هذا العالم المضطرب ، وهذا يعني وجود حالة من التوتر يمكن ان تفضي الى أوضاع غير مستقرة . ومهما كانت طبيعة وأسباب الأزمات التي تحيط بنا ، فأنها تشير في نهاية المطاف الى حدوث اختلال طارئ ومفاجئ في المنظومة الطبيعية للجماعة البشرية، على نحو يؤثر تأثيراً سلبياً في النواحي السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية. ولعل أهم تأثير يمكن ان تسببه الأزمة هو مجهولية ماسيؤول اليه الأمر في المستقبل ، وهذا ما هو حاصل في المجتمعات التي تعاني من الأزمات والأوضاع غير المستقرة . إلا ان الأزمات  مهما بلغت من خطورة ، أو اعتقد البعض ان الأمور قد  وصلت الى أبواب مغلقة ،  فلابد لها من نهايات وحلول ، ولهذا يـَصف البعض نشوء الأزمة كدورة حياة الكائنات الحية، تبدأ ببوادر تنبئ بأن هناك شيئاً ما غيرعادي سيحدث، ثم تتتابع حلقات النمو حلقة بعد الأخرى، الى أن تبلغ الذروة ، ثم تخبو وتتلاشى .
وقد عايش الكثير منا مختلف أنواع  الأزمات ، وكنا نعتقد أنها لا تنتهي أو تزول في يوم ٍما ، ولنا مثال في الحروب العبثية التي كان يشنها النظام الدكتاتوري السابق يمينا ً وشمالا ً ، ومنها الحرب العراقية الايرانية ، والتي وصل معها اليأس بين الناس الى أعلى مراحله ، كذلك الحال مع حكاية الدكتاتورية التي عاشتها هذه البلاد، والتي استمرت لاكثر من ثلاثة  لعقود ، وكانت أم الأزمات في حياتنا ، وكيف وصلت هذه الأزمات وغيرها الكثير الى  مرحلة الانفجار ، لكنها انتهت الى ما انتهت اليه بقية الأزمات ، بغض النظر عن الأساليب والآليات التي أدت الى انهاء تلك الأزمات .
أما في محيطنا الاقليمي والدولي فتبرز الأزمة السورية كاحدى أهم الأزمات التي تعيشها المنطقة اليوم ، وهي من التعقيد بحيث تبدو حلحلة عقد هذه الأزمة لدى البعض مستبعدة في المستقبل المنظور، ومع وجود هذه التعقيدات الا انه ليس هناك شيء  مستبعد في عالم السياسة ، ولنا ان نتذكر كيف وصلت الأمور في هذه الأزمة الى اعلان حالة الصفر، وتجييش الجيوش ، استعدادا ً لتوجيه ضربة عسكرية لسورية على خلفية الاتهامات الموجهة للنظام السوري باستخدام الأسلحة الكيمياوية ضد شعبه ، والتي لم تأكدها المصادر المستقلة حتى الآن ، إلا ان الأمور انتهت الى حل هذه الجزئية من الأزمة باتفاق السلطات السورية مع الأمم المتحدة على قيام المراقبين الدوليين بالتفتيش عن الأسلحة الكيمياوية وتدميرها ، وبذلك استبعد الخيار العسكري في هذه المرحلة على الأقل . وأمامنا مثال آخر لأسوأ أزمة علاقات متوترة بين بلدين استمرت لعدة عقود ، ونعني بها العلاقات الأميركية الايرانية، وكيف كانت تُـثقف أجيال متعاقبة على خلفية هذا العداء بين البلدين ، حتى اعتبر هذا الأمر لدى الكثير من المُسلمات ، في ظل أجواء التوتر وحالة التنافر بين العاصمتين طهران وواشنطن، إلا ان مجرد مكالمة هاتفية بين رئيسي البلدين استغرقت ( ربع ساعة ) أستطاعت اذابة جبال الجليد التي كانت تفصل بين البلدين والشعبين لمدة تزيد عن ثلاث عقود.
وبالرجوع الى الشأن الداخلي ، ها نحن نعيش اليوم أزمة من نوعٍ آخر ، تتمثل بهذا الإرهاب الأعمى، الذي يضرب بأطنابه في شوارع وأسواق البلاد، وهو يبحث عن ضحاياه ليقتلهم بدم ٍ بارد .
حتى أخذ الجميع  يتساءل عن أسباب ومبررات استمرار هذه الهجمات الإرهابية، وتصاعد عمليات العنف في العراق بشكل يومي ، وعن الكيفية التي يتم من خلالها وضع حد لهذه الأعمال الإرهابية. وبما ان الأمر ليس بتلك السهولة ، فهو بحاجة الى رؤية واضحة ، وهذه الرؤية تتمثل بوضع ستراتيجية شاملة لمكافحة الإرهاب بكافة أشكاله وصوره، مبنية على دراسات وأبحاث ميدانية معمقة، بهدف متابعة تطوير وتحديث إجراءات مكافحة الارهاب على المستويات الوطنية والاقليمية والدولية.
ما نريد الوصول اليه، هو انه ليست هناك أزمة، ومهما أستفحل أمرها  لا يوجد لها حل ، ولهذا نتمنى ان لا يزرع البعض اليأس في نفوس الناس من خلال الايحاء للآخرين باستفحال الأزمات والمشاكل، واستعصاء الحلول.
ولو أمعنا النظر في الحوادث التاريخية الكبرى لوجدنا ان الأزمات على مر العصور تتوسط المراحل المهمة في حياة الشعوب، فبين كل مرحلة ومرحلة جديدة ثمة ازمة. وهذا التوصيف ليس ببعيد عن الحالة العراقية، فقد ارتبط مفهوم الأزمة بتاريخ العراق الحديث والمعاصر ارتباطاً وثيقاً، وكانت مفردة الأزمة من بين أكثر المفردات تداولاً عبر هذا التاريخ، حتى حفرت لها مكاناً في الذاكرة العراقية.
ان المتابع للمشهد العراقي عموما ً بعد التغيير وبكل ابعاده وتجلياته يلاحظ جملة من النقاط التي يمكن ان تؤشر على هذا المشهد ، وفي المقدمة منها هو غياب روح المبادرة ذات التوجه الستراتيجي لمواجهة الأزمات والتحديات ، سواء  الداخلية منها وهي بلا شك كثيرة ومتشعبة ، أو الخارجية  من خلال علاقة العراق بمحيطه الاقليمي والدولي عموماً. واقتصر الأمر على ردود الأفعال التي تصدر من هنا وهناك ، وعلى الرغم من طرح بعض المعالجات  لمواجهة تلك الأزمات إلا انها لم ترتقِ الى مستوى روح المبادرة بكل أبعادها المعروفة ، وسرعان ما تنتهي تلك الردود بانتهاء تلك الأفعال .
ومن الملاحظ ان المشاكل والأزمات التي تحيط بالبلاد معروفة ومشخصة ولا تحتاج الى عناء كبير للبحث عنها ، وبالتالي يجب ان يكون هذا الأمر دافعاً قوياً في تقديم وطرح المبادرات الوطنية بعيداً عن الدوافع الذاتية والفئوية. ان نظرة المسؤول في الدولة العراقية الجديدة يجب ان لا تكون نظرة متسرعة ومؤقتة ، بل تعتمد الأبعاد الستراتيجية للأمور في ادارة الأزمات، وفهم صحيح لطبيعة الواقع العراقي ، حتى نتمكن من تغيير هذا الواقع بما ينسجم ومستلزمات التحول الايجابي الذي نسعى اليه جميعاً.

حجز الفنادق

استضافة المواقع و تسجيل النطاقات

إعلان

الوسوم:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

*