آليات مكافحة الإرهاب ( القاضي ناصر عمران الموسوي

عند التعامل مع ظاهرة خطيرة مثل ظاهرة الإرهاب لابد من الوقوف عندها والتعامل معها بغية تفكيك عناصر الجذب والقوة فيها ،وهذا لا يتأتى إلى عبر منظومة فاعلة تأخذ بنظر الاعتبار ان الإرهاب هو بنية اجتماعية استطاعت أن تحقق مرتكزاتها ،عبر عوامل متعددة لعل أولها التعامل الخاطئ مع هذه الظاهرة الأمر الذي يؤدي إلى كسبها مناعات مضادة ،وتغدو أكثر قدرة على الاستفحال والاستشراء كلما كثر التعامل وردود الفعل الخاطئة ، الإرهاب هو المفهوم العنفي للسلوك الخارج من اطر الشرعنة والإباحية القانونية ، وهو إفرازات اجتماعية شكلت فيها الثنائية النفسية والبيئية المريضة السلوك العنفي المجرم شرعا وقانونا ً، الإرهاب بنية اجتماعية شكلتها عوامل متعددة ، هو الحدث وليس تفسيره أو أسبابه المفترضة ،وهو المادة الديناميتية التي تضرب المجتمعات لتحيلها دمارا ً وتسلط تهديدها لانتزاع طمأنة الأمان  واستقراره، وحين تتفشى الظاهرة الإرهابية فإنها تهدف إلى تحطيم البنى الديمقراطية وأسسها القانونية ،وهي الآن تعيش ربيعها في أكثر من بلد عربي، وبالرغم من التعامل الحازم مع هذه الظاهرة والذي حقق انجازات أمنية كبيرة في العراق الا أن الظهور المدروس والمقترن بآلة القتل والدمار يصيب الجهود بمقتل لتعيد حسابات الخطط الأمنية وتوزيعها من جديد ،مع تسويق إعلامي لعدة مناطق تشهد تطبيق القانون  ، إن آليات التعامل مع الظاهرة الإرهابية تفترض تحقيق منظومات مهمة تتفاعل في ما بينها لتحقق ثمار نجاحاتها في القضاء على هذه الظاهرة وهذه المنظومات هي :
1 – المنظومة الوقائية :وهذه المنظومة تتمثل في تجفيف المنابع التي تشكل استمرارية حياة هذه الظاهرة و تتكون من :
أولا : تعزيز التمسك بالهوية الوطنية المشتركة عبر ثقافة وتنظير فكري متزامن مع عمل جماعي مدني خلاق يزيد التماسك الاجتماعي حول محور هذه الهوية ،مع الجهد البناء والموضوعي في الحفاظ على الهويات الفرعية التي تزيد التماسك واللحمة المجتمعية ،يقابل ذلك دعم المرجعيات الدينية على ضرورة الحفاظ على التعايش والتنوع والتلون الديني والطائفي والاثني والتركيز على أن الإنسان هو الاسمى وان الوطن هو الأرضية المتسعة للجميع وان مناخات المحبة هي الضامن وان أي خرق للبنية والسلم الاجتماعي يلقي بظلاله على امن واستقرار الجميع ،وان الوطن يتسع للجميع والهوية الوطنية هي الضامن ويمكن تسمية هذه المنظومة بالاستراتيجية الوقائية من الظواهر الإرهابية .

ثانيا :إعادة تأهيل ثقافة الإنسان المواطن وفق المنظور الراهن وتخليصه من أدران مرحلة طويلة حاولت خلق ثقافات شوفينية عنصرية على حساب الإنسان كقيمة وطنية والوطن كملكية جماعية ،إضافة إلى مراحل ما بعد التغيير والمناخات المزكومة بالسموم الطائفية والعنصرية التي تحيط بالوطن . وهذه الثقافات يجب أن تتحول إلى سلوكيات  وأنشطة فعالة على كل الأصعدة الاجتماعية والثقافية والسياسية .

حجز الفنادق

ثالثا : إيجاد حلول منهجية للقضاء على ظاهرة البطالة وتحسين الواقع الاقتصادي والاجتماعي للمناطق الفقيرة التي من الممكن أن تكون حاضنة إرهابية ، واحداث ثورة اقتصادية اجتماعية لتطوير البنى التحتية للإنسان فيها والمناطق التي يسكنها حتى يشعر فيها المواطن بانتمائه والمحافظة على مكتسباته في وطن يضمن له حرية العيش والكرامة الإنسانية .

رابعا: شيوع ثقافة التسامح والتعايش وتقبل الآخر بتنوعه الديني والقومي والطائفي والاثني واحترام خصوصية الآخر،وانعكاس كل ذلك على  الأصعدة الاجتماعية كافة عبر التماسك الاجتماعي للشرائح المكونة للبيئة والمنطقة التي يشكلونها دون اعطاء سمة الأغلبية لشريحة معينة أو طائفة بحيث تكون صفتها كمنطقة محسوبة لهذا المكون او هذه الطائفة او القومية والتربوية والتعليمية والإدارية بالشكل الذي يشعر الجميع بانتمائهم وتحقيق الطمأنينة الاجتماعية والسلم المجتمعي .

2 – المنظومة التشريعية : لا شك ان القوانين الوضعية هي قوانين مقترنة بواقع معين وظرفية زمنية وان التغيير في الواقع المكاني والظرفية الزمنية تستدعي بان تكون القوانين الوضعية متماهية معها ،فالقانون وجد ليكون حاكما ومنظما للعلاقات المجتمعية ، والجريمة ظاهرة اجتماعية لها عواملها وأسبابها ،وبعد التقنيات الحديثة والتطور الهائل في مجال التقنيات والأنظمة الالكترونية بحيث صار العالم قرية صغيرة ،وهذا الأمر ينعكس أيضا على ظاهرة الجريمة الإرهابية التي تدير خيوطها تنظيمات عالمية مما يستدعي وجود تشريعات وقوانين جنائية بمستوى التطور الذي يعيشه السلوك الإجرامي المخالف للقوانين،وهذا يحتم على الأسرة الدولية أن يكون تعاونها كبيرا للقضاء على الجريمة عبر قوانين عابرة الاستراتيجيات الدولية المهيمنة على القرار ووجود منظومة جنائية دولية متطورة يقابلها نظام جنائي حديث محلي قادر على تكوين منظومة جنائية متكاملة ، وإذا علمنا ان الكثير من القوانين الجنائية موغلة في قدمها بحيث أن الزمن تجاوزها بكثير وهو ما يصب في مصلحة الظاهرة
الإرهابية .

3 ـ المنظومة العقابية : وهي منظومة الردع العام وتأتي بعد أن تفشل المنظومات السابقة( المنظومات الوقائية ) في الحيلولة دون وقوع الجريمة وتعني إيقاع العقوبات المقررة قانونا وتطبيقها على الجاني عبر الجهاز القضائي في إجراءات قانونية أصولية _محاكمات _ تتوفر فيها الضمانات القانونية لكل أطراف الدعوى الجزائية،وقد اصدر العراق قانونا خاصا بمكافحة الإرهاب بالرقم (13) لسنة 2005 حدد فيه الجريمة الإرهابية والعقوبة المقررة لها ،استكمالا لما جاء في قانون العقوبات رقم 111 لسنة 1969 المعدل، وبالرؤية التطبيقية العقابية فقد أصدرت المحاكم العراقية
الكثير من الأحكام بحق الجناة لكن ذلك لم يمنع هذه الظاهرة من الظهور بأدواتها الإجرامية التي تخلت عن أي مرتكزات إنسانية وصارت بمتبنياتها التكفيرية معادية بحقد اعمى واسود لكل حياة في العراق فلم يسلم الإنسان أيا كان من ذلك ،وهو ما يؤكد ضرورة تفعيل المنظومة الوقائية للحد من تلك الظاهرة.
ولعل المؤتمر الذي عقدته وزارة حقوق الانسان انبثقت عنه ستراتيجية لمكافحة الإرهاب هو خطوة متقدمة في هذا المجال على ان تكون فعالة في التطبيق على ارض الواقع مستفيدة ً من الجهد الوطني والدولي في ذلك .

الوسوم:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

*