فشل المشروع التركي / بقلم : ناصر عمران الموسوي

لم يكن (أحمد داود اوغلو)  في كتابه (العمق الستراتيجي، موقع تركيا ودورها في الساحة الدولية) – والذي جاء فيه: «ان تركيا تقف ازاء مفترق طرق في تاريخها وفي حالة ما اذا استطاعت تحقيق تكامل بين عمقها التاريخي والجغرافي مع تخطيط ستراتيجي حقيقي، ستتاح لها فرصة اكبر من اجل التأثير في هذه الديناميكية المزدوجة الاقطاب من اجل ان تتحول الى قوة تستطيع ان تحقق نقلة نوعية» – بعيدا عن  التحولات السياسية التي شهدتها المنطقة والتي عرفت بالربيع العربي بل ان مشروع اكاديمية التغيير الذي رعته قطر بدعم وتخطيط اميركي لم تكن تركيا بعيدة عنه، فلم يكن التغيير الذي حدث تغييرا ديناميكيا كما يتصوره البعض وانما هو حدث مفتعل كما وصفه (محمد حسنين هيكل) غايته استخدام مشاعر الناس البسطاء في التهيئة لمشروع تقسيم اكبر، لم تدركه الشعوب العربية، بل ان البعض وبعد التغيير التونسي والمصري والليبي اصطلح على تسميته بالربيع الاسلامي، وهو ما يتماهى مع ستراتيجية  العمق الستراتيجي التي بشر بها اوغلو والتي ترمي الى اعادة احياء الارث العثماني بثنائية السلطنة والخلافة الاسلامية، فالمتابع لسلوك حزب العدالة والتنمية منذ تسنمه السلطة في عام 2002 والذي أعتبر خطا فاصلا بين مراحل التنظير وستراتيجية الحزب من جهة وادارة الدولة من جهة اخرى، ففي الوقت الذي ظل فيه الحزب على حذر في التعايش مع النظام العلماني الذي يختلف عن توجهات الحزب الاسلامية فانه ركز على تصعيد النزعة القومية التركية واعادة انتاجها بشكل
جديد.
وقد استفاد حزب العدالة والتنمية لاحقا من ذلك عندما خسر انتخابات الاغلبية البرلمانية بعد صعود حزب الشعوب الديمقراطي (الكردي) واعلن تصعيده للنزاع المسلح من جديد بينه وبين حزب العمال الكردستاني المعارض (bkk) والذي انتهت بعده انتخابات الاعادة بتحقيق الاغلبية له وتجديد حكومة داود اوغلو مع السير قدما في مشروع الاسلمة التي استغلها «العدالة والتنمية» بشكل كبير في احداث سوريا والعراق وسيطرة داعش، بحيث اصبحت تركيا هي المستفيد الاكبر من تجارة النفط اضافة الى الدعم الخليجي وعبور الكثير من الارهابيين للقتال في سوريا والعراق وازمة اللاجئين التي اضطرت اوروبا لمعالجتها بتقديم مبالغ كبيرة الى تركيا لمنع عبور اللاجئين الى اوروبا.
كل ذلك يفسر الستراتيجية العميقة لتنظير اوغلو الرابط بين الاعتراف الغربي والضغط عليه وبين النظرة الى الدول المجاورة وبخاصة العربية على انها جزء من الهيمنة التركية وان الدور التركي الجديد يجب ان يعزز حضوره التاريخي فيها، فالتعويل على الغرب وبخاصة حلف الناتو افقد تركيا الكثير واصبح حلم الدخول الى الاتحاد الاوروبي صعبا ان لم يكن مستحيلا، فالشروط ثقيلة ومقدار تحققها يصطدم مع البنية الاجتماعية والاجندة السياسية اضافة الى ارث تركي غير مطمئن للكثير من دول اوروبا، واستطاعت تركيا ان تلمس ذلك منذ اسقاط الطائرة التركية من قبل سوريا، فقد كان موقف  الحلف ضعيفا ولم يكن بمستوى طلبات تركيا إلا انها مع ذلك تجير عضويتها في التحالف وقت الحاجة اليه.
فرغم العلاقة بينها وبين الولايات المتحدة الاميركية الا ان تركيا لا تثق كثيرا بالموقف الاميركي الذي لا يتسم بالوضوح والقوة، وهو السبب الذي نرى فيه تركيا تنكمش بعد ارتكابها للخطأ الكبير باسقاط الطائرة الروسية والذي نتج عنه انهيار مشروعها في سوريا مشروع (المنطقة الآمنة) من جرابلس باتجاه المتوسط، الامر الذي يجعل النفط السوري بمتناول تركيا وقبلها هدفها في تغيير النظام السوري ومد شبكة انابيب الغاز من الخليج عبر تركيا الى
اوروبا.
ان الدخول الروسي افقد الاتراك اتزانهم وتخبطهم وتجلى ذلك بالتغلغل بقوة عسكرية الى داخل الاراضي العراقية قرب الموصل، الامر الذي يجدد الاطماع التركية التاريخية في مدينة الموصل وربما التذكير بموقف الرئيس بوش الاب بتأييد ضم الموصل لها، وهو امر فيه الكثير من عنجهية التصرف والاخطاء، فقد ادخلت تركيا قواتها في مستنقع المنطقة الكردية التي سيجد الاتراك انفسهم يغرقون فيه وربما باشارة او تلميح اميركي وهو ذات الموقف الذي وضعت فيه اميركا السعودية بعد ان غرق تحالفها في اليمن وها هي تحاول الخروج بأية طريقة.
ان الواقع الداخلي وحركات الاحتجاج المتزايدة ضد سياسة اردوغان اضافة الى اخطاء السياسة التركية الاقليمية التي تزيد من عزلتها، فقد خسرت روسيا الشريك الاقتصادي وسوريا الجارة اضافة الى قبرص وايران والآن العراق ووضعت بيض سياستها في سلة السلوك القومي العدائي والديني الطائفي والذي يشير الى فشل مشروع العمق الستراتيجي الذي ضج بالمشاكل بدلا عن تصفيرها ولجأ الى الحلول العسكرية كخيار جديد.

حجز الفنادق

الوسوم: ,

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

*