تفويض أوباما / بقلم : القاضي ناصر عمران الموسوي

لم يكن الرئيس الاميركي باراك اوباما وهو يعيش تجربته الرئاسية الثانية في نصفها الاخير، قديسا كما يسميه العديد من المفكرين والمحللين السياسيين، وخاصة بعد تراجعه عن الضربة العسكرية لسوريا، وربما راح الآخرون يستعيدون ذاكرتهم الكرنفالية، احتفاءً بأول رئيس اميركي من اصول افريقية (ذو بشرة سوداء) ومن جذور اسلامية، وما برحت صورة الرئيس الاميركي الاسود الاكثر حركة ًوتأثيرا في خطبه الكلامية وهو يصرخ بأنصاره بعبارته الشهير (نعم نستطيع ..!!) بعد ان ازاح التجربة الجمهورية الاكثر سخونة وقوة، تتماهى مع صورة المحرر الكبير مارتن لوثر كنج وهو يردد (اني حلم ..). لكن الامور بالنهاية ترتهن الى الخواتيم، فقد بدأت رئاسة اوباما ببياناته البرامجية التي تؤكد على تأهيل صورة الولايات المتحدة الاميركية في الخارج وخاصة في المناطق الاكثر اهمية وقلقا وهي مناطق الشرق الاوسط وبالاخص المنطقة الاسلامية والعربية بعد تجربتين عسكريتين خاضتهما الولايات المتحدة الاميركية في افغانستان و العراق، وقد شهدت تجربة اوباما الرئاسية الاولى الانسحاب العسكري الاميركي من العراق وجدولة الانسحاب من افغانستان، في حين شهدت تجربته الرئاسية الثانية محاولة التقارب الاميركي – الايراني عبر الاتفاق الاولي للبرنامج النووي الايراني اضافة الى محاولاته المستمرة والكثيرة في صياغة بناء الدولتين (فلسطين واسرائيل) كحل نهائي للقضية الفلسطينية. والمتتبع بعين الراصد لستراتيجية اوباما سيجده بأنه يسير بخطى وئيدة في تطبيق ما يصطلح عليه (القوة الذكية) وهي:(القوة الناتجة من استخدام القوة الناعمة والقوة الخشنة) وستراتيجية القوة الناعمة تعني كيف تستخدم (الستراتيجية الاميركية إحداث تغييرات تخدم مصالحها عن بعد)، لذلك كانت الاولوية هي معالجة الاوضاع الداخلية وخاصة الازمة الاقتصادية التي ورثها اوباما من سلفه الجمهوري، وكانت اولى خطواته الستراتيجيته من خلال توصيات لجنة (بيكر – هاملتون) التي رسمت لأوباما خطوط استعمال القوة الناعمة بإدارة الصراع في المنطقة الاسلامية والعربية التي تنظر بعين الكراهية للصورة الاميركية التي قدمها الجمهوريون الذين تمت تسميتهم بـ(المحافظين الجدد). ونجح اوباما في تلميع الصورة الاميركية وخطا خطوات مهمة في ذلك، اهمها الانسحاب العسكري من العراق والايهام بسياسة خارجية ضعيفة للولايات المتحدة الاميركية مع التركيز على الداخل الاميركي ومعالجة ملفاته المهمة كالصحة والفقر ودعم الطبقات المتوسطة والضرائب، وتوّج ذلك على المستوى الخارجي بخطابه الشهير بعد جولة شرق اوسطية في جامعة القاهرة بتاريخ 4 حزيران 2009 والتي اكد فيها ان الولايات المتحدة الاميركية الجديدة هي الراعي للسلام وللديمقراطية وحقوق الانسان والعدالة الدولية، كما اكد أن الاسلام بمبادئه السامية هو دين السلام والحياة، وهي خطى حققت لاوباما قيادة مرحلة الحرب الناعمة بنجاح، وانعكس ذلك على صورة الولايات المتحدة الاميركية وسياساتها في الشرق الاوسط والعالم لتبدأ مرحلة جديدة في تطبيق الصورة الاخرى الممتزجة والتي يصطلح عليها (بالقوة الذكية) التي ظهرت لاحقا والتي تؤكد في ستراتيجيتها على (فضيلة القوة) التي يراها الجمهوريون وخاصة اليمين الاميركي المتأثر بطروحات ليو شتراوس وهارفي مانسفيلد وهي صورة ليست بعيدة عن تطبيق الديمقراطيين الذين ينظر اليه كحمائم سياسية بالمقارنة مع الجمهوريين الصقور. ان رؤية الصراع الحضاري الذي تزعمه هنتنغتون والتي لا يراها الديمقراطيون حاضرة لديهم كانت مترجمة في صميم ستراتيجيتهم وهم يقودون العالم من مرحلة التحول الفوضوي الخلاق الجمهوري الى حروب القوة الذكية، والذي اعاد الى الاذهان من خلال التجربة ان السياسة الاميركية سياسة لا تتغير ايا كان الرئيس، وما مشروع اكاديمية التغيير والربيع العربي الذي كانت الولايات المتحدة الاميركية مهندسة مشروعه وبأدواتها المعروفة – ومن باب التحول باتجاه الديمقراطية وحقوق الانسان وسقوط الدول العميقة والحكومات الاستبدادية والدكتاتورية – إلا مثال عن رؤية واحدة في الادارة والستراتيجيات وان اختلفت الاسماء والصور، فكانت أحداث تونس ومصر وليبيا وسوريا والبحرين واليمن دليل واضح على ادارة الستراتيجيات التي تخلت عن القيادة الميدانية باتجاه ميادين تقنية وادوات تكنولوجية . والغريب في الامر ان السياسة الاميركية – وهي الداعم الرئيس للنظم العربية والحكومات الدكتاتورية السابقة – هي الراعي لتغييرها بل ان المحرك الميداني والاعلامي لتطبيق ستراتيجية التغيير وتطبيق القوى الذكية هي حكومات اوتوقراطية ملكية استبدادية لا تعرف للديمقراطية في اية ممارسة ضمن حدودها الجغرافية، وهذه الستراتيجية لا تزال تحاول طرح مشروعها الشرق اوسطي القائم على انهيار الدول القومية والدكتاتورية لمصلحة الدولة الدينية والتسابق في التسلح واللعب بالسياسة النفطية واسعار النفط وفسح المجال للحركات الدينية لقطف ثمار التغيير الشعبي الذي ضجت ساحاته بمشاهد الدم امام مظاهر الدعوات السياسية الاميركية للبحث عن الحلول والمطالبة بالسلام وحقوق الانسان والديمقراطية. لقد كانت الساحة المصرية الساحة المستسلمة للتغيير الاميركي والمؤشرة على رعايتها لمشروع كانت نتائجه واضحة لصالح سيطرة الاخوان المسلمين، وفعلا تحقق ذلك واتضح بتأثير قوة التغيير الداعمة للستراتيجية الاميركية، الا ان المصريين استطاعوا جر دولتهم الى العودة باتجاه القيادة العسكرية القومية وبالدعم الواضح من المملكة السعودية التي خرجت عن الاجماع الاميركي بالتغيير في الشأن المصري. ولم تزل الساحة المصرية رغم استقرارها النسبي تعيش رهانات المشروع الاسلامي التغييري الناتج عن تطبيق سياسة القوى الذكية. واذا كان الصراع المصري صراعا واضح الاطراف، وشهد تشرذما في العلاقات بين اطراف الادوات الاميركية المطبقة لأجندات المشروع الاميركي فان المشهد في الصراع السوري كان الاكثر دموية وتنوعا فقد كان ولا يزال صراعا دوليا محوريا وصراعا طائفيا كان هدفه الرئيس هو التحول نحو الدويلات الطائفية وتأجيج الصراع المذهبي الذي يشرذم سوريا الى دويلات وطوائف لمصلحة الدولة الدينية الاقوى وهي اسرائيل، وكانت المحاور الدولية تعيش صراع جديدا بين روسيا والولايات المتحدة الاميركية كمحور دولي، وبين المملكة العربية السعودية وايران كمحور اقليمي. وقد ظهرت نتائج هذا الامر في الوضع العراقي الذي ترجم انعكاس الصراع السوري عليه فوجود (ظاهرة داعش) التي هي خطأ وهدف ستراتيجي اميركي، يقدم نفسه وبحضور ميداني نتيجة لحروب اوباما الناعمة، فهذا الكيان الارهابي هو صنيعة ونتيجة للسياسة الاميركية والانجرار الاعمى للقوى الرجعية المطبقة لأجندات الولايات المتحدة الاميركية، فقد تغول “داعش” ليكون جغرافية كبيرة رغم انه يحرق وراءه انصاره ومؤيديه وداعميه كما حصل مع الكثير من حواضنه الارهابية في الاردن و العراق ولبنان، لكن الاجندة الداعمة لا تزال تحاول مده بهرمونات الضخامة نكاية بالآخر من دون مراعاة النتائج الملموسة. ولعل قرار مجلس الامن الاخير بتجفيف منابع التمويل لـ”داعش” وجبهة النصرة وتجميد الحسابات المالية وفرض عقوبات على الاشخاص والدول التي تقوم بشراء النفط المسروق أو التي تتعامل معه، لم يكن سوى نتيجة واضحة لنهاية هذه الصفحة المليئة بصور القتل الوحشية من النحر وحتى الحرق. لقد قدم اوباما طلبا الى مجلس (الكونغرس) الاميركي بالتفويض لمحاربة “داعش” لمدة ثلاث سنوات مع التأكيد على استخدام نسبي للوجود العسكري وبمهمات خاصة على الارض، وتمت مواجهته باعتراض جمهوري مشروط بتقديم ستراتيجية للكونغرس عن خطواته المستقبلية لمرحلة ما بعد “داعش” لكي يتم منحه التفويض، في حين يرد اوباما بأنه ملزم بتقديم النتائج، وهذه النتائج هي خلاصة الحروب الناعمة واستخدام القوة الذكية لرئيس اميركي لم يكن بعيدا عن ستراتيجية الولايات المتحدة التي تؤله القوة وتحتاج ابدا لتهديد ايديولوجيا معادية كما يرى (هنري كيسنجر).

حجز الفنادق

الوسوم:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

*