القرصنة الديمقراطية / بقلم : القاضي ناصر عمران الموسوي

لم تكن الديمقراطية مفردة تتوزعها الكتابات الباحثة عن خلق نظام تكاملي تتغذى فيه الفكرة والسلوك لإنتاج آلية تنظيمية قاهرة لعقد الماضويات السلطوية التي استطاعت فيها أنا الفرد ان تخضع أنا المجموع لرؤيتها ونزواتها ورغباتها و التي كانت بمجملها- وان تعددت صورها- قائمة على التقسيم التقليدي الاجتماعي، السادة والعبيد والملك والرعية والحاكم والمحكوم ،والتي أرغمت انف الزمان على قبولها واتسع المكان ميدانا خصبا ً لامتداداتها ،وحين لاحت رؤى الخلاص تشرنقت بالحلم وانداحت مع سرابها تستجدي ماء ً لظمأها الأزلي ، والديمقراطية التي منحت الحلم متنفسا ً واقعيا ً، وحملت بطاقة تعريفها باعتبارها  قدرة المحكوم على خلق حاكميه ومحاسبتهم على عثراتهم وأخطائهم فهي ببساطه ، حكم الشعب ،والحاكم منبثق من إرادة المحكوم ويرتبط الحاكم والمحكوم بعقد اجتماعي فيه من إذعان الحاكم للمحكوم الشيء الكثير والذي ألغى مراحل الأزمنة والعصور التي اكتوى فيها المحكوم بجحيم حاكمه .
ان الديمقراطية التي أطلت برأسها حملت عوامل تشكلها، فهي بالحرية تصورت وبالقانون تشكلت ولحقوق الإنسان وحريته سعت وهي غاية سامية لها أدوات وآليات تتشكل منها وتعبر عن روحها ألا وهي الإرادة الحرة القادرة على التعبير والتي تظهر عبر صناديق الانتخاب وما سيتمخض عنها ، لكن الأمر لم يكن بتلك الصورة المشرقة، فقد تحقق في بلدان التغيير العربي انبثاق مجالس تشريعية منتخبة وحكومة تنفيذية خرجت من رحم السلطة التشريعية او بالانتخاب وعبرت بالترجمة الصادقة عن رؤية الآلية الديمقراطية ،فما الذي حدث في التغيير المصري الذي أطاح بحكم مبارك والذي سمي بثورة (25 يناير) التي حظيت بمشاهدة اعلامية دقيقة أعطت للصورة قدرة التعبير وابعدت احاديث التحليل والتوصيف فالثورة كانت الشرح والعنوان والهامش والتفاصيل.
لقد خرجت الثورة المصرية التي سبقت التصحيح في  ( 0 3  يونيو) ، خرجت الثورة متشحة بً عنفوان وجرأة الشباب والاستغلال الأمثل للتقنيات الإعلامية فارتعد الخوف الجاثم على صدور المصريين ،وانزاح ليخلق الحاضن الاجتماعي الداعم والمنبعث بقواه الكامنة مشكلا ً نسيجا ً متكاملاً حقق انجازه في الخلاص من مرحلة نظام مبارك .
لكن السؤال الذي يطرح نفسه: كيف وصلت مصر إلى هذه المرحلة التي أفرزت الثنائيات المتناقضة والمتصارعة فيما بينها ..؟
كيف استطاع الإخوان احتواء الثورة واصطياد نتائجها لمصلحتهم وكيف انتفض العسكر ليعيد صياغة التغيير المصري …!؟
كما كان متوقعا وبعد سقوط مبارك كان الإخوان الأكثر تنظيما باعتبارهم أولاً المعارضة الشرسة لنظام مبارك ومن المنطقي بأن التغيير لابد وان يضعهم في ألمقدمة هذا من جهة ومن جهة أخرى إن نظام مبارك كان نظاما ذا صبغة علمانية قومية وهي الصفة والصبغة التي أسقطها المد الشعبي ،فكان للإخوان التاريخ العتيد والتجربة الطويلة في المعارضة ،وبالرغم من ان خطاب الاخوان وفي بداية الثورة حاول ان يكون بعيدا عن السلطة أو هكذا أوحى للآخرين وظهر بمظهر الزاهد ،لكن ما أن تحقق الانجاز والنجاح الانتخابي حتى كان منصب الرئاسة قريبا من لحاظ الإخوان ،فعدلوا عن فكرة عدم الترشح للمنصب وكان لهم ما أرادوا.
لقد مارس الإخوان ما يسمى (بالقرصنة الديمقراطية) ،فقد استغلوا الحركات التي منحت الثورة حضورها ، ولأنها لم تكن حركات سياسية فان الستراتيجية لمرحلة ما بعد مبارك لم تكن حاضرة لدى الحركات الشبابية ،بل ان الانجاز كان فوق التصور لذلك ظهرت أحزاب المعارضة لتكون أمام المشهد وبحضور قوي جدا كانت الريادة فيه للاخوان الذين أعلنوا تشكيل حزب الحرية والعدالة ذراعا سياسيا لجماعةالإخوان المحظورة حسب القانون المصري ،وتحققت للإخوان السيطرة الكاملة على مفاصل الدولة فظهرت منهجية الاخونة  التي لم يستسغها المصريون ،بل ما زاد الطين بلة ،إنهم راحوا يروجون لفكر إقصائي طائفي تمثل بالانتهاكات التي حصلت ضد الأقباط وما حصل للشيعة وبخاصة مقتل الشيخ  حسن شحاتة.
إن جماعة الإخوان لم تكن لهم سياسة ستراتيجية لقيادة الدولة المدنية وان جل رؤاهم تعتمد على فكر الحركة العالمية للإخوان المتمثلة بشعارات الإسلام هو الحل واقامة الحاكمية الدينية ،فكان سقوطهم مدويا بعد ان قررت حركة تمرد وهي حركة شبابية استطاعت ان تضع الشعب المصري أمام قدر جديد إلا وهو إسقاط الشرعية الدستورية لمصلحة الشرعية الشعبية ،فالشعب هو مصدر الشرعية وما الدستور إلا نتاج شرعية شعبية ، كان الجيش كالعادة مع التحرك الشعبي وإذا كانت سلبيته مهمة في ثورة 25 يناير،الا انه تحول الى دور ايجابي فاعل حين وضع خارطة الطريق لانتشال المصريين ومصر من فكر وستراتيجية  لا يمكن ان تكون في بلد مثل مصر.
لم تتجاوز قرصنة الإخوان للديمقراطية سنة واحدة فقد وجدت شعبا يقيلها من الشارع في امتدادات مليونية بشرعية تضرب
مثالا رائعا لشعب يحب أن يعيش وفق
طريقته هو وليس طريقة الآخرين . وبالرغم من الاحداث وردود الفعل الاخواني إلا أن الجيش والشرطة والحكومة الانتقالية تستند إلى
أمواج بشرية هادرة وهذا ما حصل فعلا في التفويض الشعبي للوزير( السيسي ) في محاربة الإرهاب .
وما يجري في مصرالان هو حالة مخاض صحية ابتدأت وسيخرج وليدها معافى ، فمابين الألم والدم انجبت مصر( ام الدنيا ) ثورتها الحقيقية التي وضعت عجلاتها على سكة الدولة المدنية بعيدا ً عن قراصنة الديمقراطيات.

حجز الفنادق

تحميل القرآن الكريم mp3

الوسوم: ,

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

*