اسماعيل العارف و أسرار ثورة 14 تموز / بقلم : كريم عبد

جلب تدخل الجيش في السياسة للمجتمع العراقي مزيداً من المآسي والكوارث التي مازلنا ندفع ثمنها الباهظ، إذ أصبح المطلب العام راهناً، هو تكريس النظام الديمقراطي والدولة المدنية كي نضع حاجزاً نـهائياً بين الثكنة والقصر الجمهوري توطيداً لسلطة القانون وصيانةً لطبيعة المهمات الوطنية للجيش بعيداً عن أوهام الزعامة التي استحوذت على العديد من ضباطه ودفعتهم إلى جحيم الانقلابات والانقلابات المضادة، الأمر الذي جعلهم هم أيضاً، وبدون استثناء تقريباً، يدفعون ثمن هذا الخطأ السياسي القاتل، ولا نعتقد بعد كل ما جرى ويجري، بأن هناك من لايزال يحلم بإعادة هذه التجربة المرة .
لكن هذا لا يجعل المتابع يغفل عن حقيقتين اثنتين، هما: إن من شجّع الجيش على التدخل في السياسة هو ركود حالة التخلف في العهد الملكي، وما نتج عنها من مآسٍ اجتماعية واقتصادية شاملة، بدءاً بهبوط مستوى المعيشة وتردي الخدمات وليس إنتهاءً بالقمع والإرهاب السياسي الرسمي، ما جعل أحزاب الحركة الوطنية العراقية عاجزة عن مواجهة النظام. ولم تكن ثقافة تلك الأحزاب، بسبب الظروف الداخلية والتجاذبات الدولية المعروفة، قادرة على إصلاح النظام الديمقراطي وتطويره أيام الملكية، بالعصيان المدني أو ما شابه ذلك من أساليب غير مسموح بـها أصلاً بسبب (عبقرية ) نوري السعيد وبهجت العطية وعبد الإله .. الخ،وأساليبهم المعروفة بالقمع والمراوغات، فكان أن فرضت تلك الظروف على ضباط الجيش الوطنيين الاضطلاع بمهمة إنقاذ العراق عبر انقلاب عسكري، بإعتباره الخيار الممكن والمتاح آنذاك.
ولم تكن تلك المهمة من الأمور الهيّنة والسهلة، بل كانت بحاجة فعلاً إلى رجال شجعان مؤمنين بحق الشعب العراقي في العيش بكرامة وازدهار.
وبغض النظر عن تلك الخلافات التي حدثت بين الضباط الأحرار وزرعت بذور الانشقاق فيما بينهم منذ بداية تشكيل تنظيماتهم، لكنهم استطاعوا في صبيحة 14 تموز المجيدة أن يضعوا العراق على أبواب مرحلة تاريخية جديدة، لكن مغريات السلطة من جهة وتدخلات الاستعمار البريطاني والأمريكي وشركات النفط، حيث لم يكن بوسعهم الصمت إزاء ما كانت تعنيه ثورة تموز من دلالات وطنية تحررية انعكست على عموم المنطقة، وقصور نظر الحركة الوطنية والاجتهادات القاتلة للبعض الذي أراد تحرير الأمة العربية قبل توفير حلول لأزمات العراقيين اليومية !!
كل هذا أدى إلى إحباط مشاريع الثورة لحظة ولادتها مع الأسف.
والحقيقة الثانية هي إن شخصيات وطنية عديدة برزت بين الضباط الأحرار ومن خارجهم، كان بوسعها أن تلعب دوراً ريادياً مختلفاً، لكن تسارع الأحداث عوّقها.
كان الراحل إسماعيل العارف أحدها، نتذكر الرجل ونحن بصدد الإشارة لكتابه المهم (أسرار ثورة 14 تموز). فثمة نوع من الكتب يجعلك تصدّق ما يقوله المؤلف رغم انه يتعرض لقضايا كثيرة ومعقدة وموضع خلاف، يجعلك تصدّق لا لأن آراءه تتطابق مع آرائك بالضرورة، بل ربما تختلف معه هنا أو هناك، لكنك تصدّقه بحكم الأدلة التي يوردها وبحكم موقعه هو من التجربة. ويجعلك تصدّقه لأنه لا ينحاز لهذا الطرف أو ذاك من أطراف الصراع التي تذابحت من أجل الحقيقة حتى وجدنا الحقيقة ذاتها مذبوحةً بسبب ذلك الصراع العشوائي المرير الذي دفع العراقيون ثمنه باهظاً.
كتاب الراحل إسماعيل العارف ينتمي إلى هذا النوع من الكتب النادرة، والميزة الأخرى لهذا الكتاب المهم والضروري لكل من يهمه تاريخ العراق الحديث، هو إنه لا يملي الوقائع ليفرض عليك آراءه، بل يعرضها لكي يعطيك حرية الحوار حول ما يقول. وأمر كهذا، بالنسبة لمن مارس تجربة الكتابة، ليس سهلاً إنما يحتاج، إلى جانب الكفاءة الثقافية والخبرة وتحمل المسؤوليات خاصة في ظروف تعقيدات السنوات الأولى للثورة، تلك الرغبة الملحة في البحث عن الحقيقة والدفاع عنها، خاصة عندما تكون تلك الحقيقة متعلقة بمصير مجتمع ومستقبله.
يجعلك تصدق ما يقول، أي إنه يستطع تغيير آرائك عبر إغناء وعيك بما لا تعرف ويسهم بتطوير أو تصحيح ما كنت تعرف، وذلك عبر ثقافته وتجربته الخاصة المعروضة عبر صفحات الكتاب. فغير إسماعيل العارف الوزير القريب من عبد الكريم قاسم، لا يستطيع كتابة مثل هذا الكتاب الحيوي والمهم، فهو كتاب أراده الراحل شهادة على عصره. لم يكتبه من أجل جهة معينة، كتبه من أجل الحقيقة التي آمن بـها، حقيقة المجتمع العراقي وطاقاته النبيلة الكثيرة وأخطاء حركته السياسية المحزنة الكثيرة أيضاً مع الأسف.
وإذا كان المجتمع العراقي قد انقسم في تلك الفترة إلى يساريين وقوميين، وأصبحت العداوة الضروس هي ما يميز ذلك الصراع، ففي خلفيات ذلك تقف أطراف الحرب الباردة والتجاذبات الدولية التي حرّكتها حيث ذهبت ضحيتها العديد من شعوب العالم الثالث.
ووسط تلك المعمعة كثر الانتهازيون والمغرضون والمستفيدون من مآسي الشعوب، في كلا الطرفين القومي واليساري، إذ ركبوا الموجة مع تلك (الشخصيات الطموحة) التي غامرت  بالعراق ومصالح شعبه من أجل شعارات أثبت الواقع بطلانها. لقد احتدم الصراع وتم استقطاب المواطنين بحيث أصبح من الصعب أن تجد إنساناً مستقلاً، خاصة إذا كان في خضم الصراع ومن المساهمين بصناعة الأحداث كإسماعيل العارف، فهو ضابط كبير احتل مواقع حساسة عديدة، وأحد مؤسسي تنظيم (الضباط الأحرار)، وكان محتملاً أن يجعله موقعه، إسوة بالكثير من زملائه، يفكر بمصالحه الشخصية بغض النظر عن قربـها أو بعدها عن المشروعية، لكن العارف ظل بعيداً عن استقطاب الأحزاب والتيارات السائدة آنذاك، وظل نزيهاً مفضلاً كرامته الشخصية على مغريات إستغلال النفوذ أو سرقة المال العام إسوةً بغالبية الضباط الأحرار والمسؤولين الحكوميين بعد 14 تموز.
وتحمل مسؤولية وزارتي (المعارف) و (الإرشاد) وقدم خدمات كثيرة مشهودة لقضية تحرير العراق ودعم عوامل تطوير الحياة العراقية كما يذكر تفاصيلها في كتابه، ولأنه ظل منتمياً للهم الوطني العراقي شاعراً بخطورة المؤامرات وتلك النزعات الحزبوية القاتلة، فقد تعرض للاعتقال بعد انقلاب 8 شباط 1963 واختار العزلة فيما بعد. وبعد أن كرّت سلسلة الانقلابات، بقي العارف مع شخصيات عراقية عديدة بعيدين عن مهرجانات الأكاذيب وجوائزها.
قبل قراءتي هذا الكتاب في نهاية التسعينيات وعودتي إليه مؤخراً، كنت أتخذ موقفاً محايداً من عبد الكريم قاسم، لكن الكتاب جعلني أحب الزعيم وأحب إسماعيل العارف وأحب العراق أكثر، وأثق بالمستقبل برغم إن البعض يريد الآن إعادتنا إلى أيام ذلك الصراع العشوائي المرير !! أثق بالمستقبل لأن شعب العراق زاخر بمثل هذه الشخصيات الرائعة برغم المفارقات الغريبة التي نعيشها وقسوة الظروف التي عشناها منذ أكثر من خمسين سنة. لقد عاش اسماعيل العارف بقية حياته منفياً في لندن حيث رحل عن هذه الدنيا الفانية بينما كان العراق غارقاً في حروب (القائد الضرورة) الذي بدأ حياته بالاغتيالات والتآمر وأنهاها في حفرة بائسة تاركاً أحرار العراق مقتولين أو معتقلين أو منفيين.
لقد تحمّلت الكثير من الشخصيات الوطنية الكفوءة والنزيهة مرارة العزلة والصمت خلال حقبة البعث المظلمة وهي ترى العراق يُجر من كارثة إلى أخرى، وكان اسماعيل العارف أحدهم، لقد رحل الرجل تاركاً لنا هذه الشهادة المهمة دليلاً على نزاهته وحبه لهذا العراق الذي يمور بالأسئلة والأحداث.

حجز الفنادق

الوسوم: ,

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

*